
هيئة المساءلة والعدالة مصنع لتفريخ المجتثين
حيــدر صبــي*
الهيئة الوطنية للاجتثاث والتي اسميت فيم بعد بهيئة المساءلة والعدالة هي هيئة مستقلة مؤقتة ( مرتبطة بمجلس النواب !!!!) تهدف لمنع عودة حزب البعث فكرا وادارة وسياسة وممارسة ووفق مبدأ تحقيق العدالة الانتقالية وهي كيان شبيه بكيان المحكمة الجنائية العليا التي تشكلت لمحاكمة رموز النظام السابق والتي حُلّت اثر صدور الاحكام عليهم وهي شبيه كذلك بهيئة نزاعات الملكية والتي هي الأخرى حُلّت حال الانتهاء من عملها , في حين نجد الهيئة ورغم اكتمال قاعدة بيانتها وتنفيذ كافة الأوامر الصادرة بحق المشمولين لا زالت قائمة بذات الصلاحيات ضاربة عرض الجدار اتفاقات الكتل السياسية لإنهاء عمل الهيئة عقب صدور( قانون حظر حزب البعث المنحل ) الذي اناط إدارة وتنفيذ القرار الى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات .
بوصول القرار للهيئة ثارت ثائرة عدد من أعضاء الهيئة حتى ليقوم رئيسها آنذاك ” فلاح شنشل ” بجلب فتوى من مرجع ديني غير معروف بالوسط الحوزوي يفتي بعدم حل الهيئة ؟؟
يبدو ان هناك شخصيات واجندات لكتل سياسية وعدد من الأعضاء بينهم أعضاء من ( المكون السني !!! ) وموظفين لا زالت تقف حائلا دون حل الهيئة على الرغم من الاتفاق الذي جرى مؤخرا ضمن ما عرف بتحالف ادارة الدولة يذهب باتجاه حلها في غضون ثلاثة اشهر وبحجة ان الهيئة تشكلت بقانون ولابد ان تلغى بقانون من قبل أعضاء مجلس النواب .
تعنت الهيئة بعدم المثول للحل بات يثير الكثير من التساؤلات والشكوك اذ من غير المنطقي مرور اكثر من عشرين سنة منذ تغيير النظام السابق اصبح فيها من لم يجتث اما وافته المنية او بات بعمر لا يمكنه الانخراط بالعمل السياسي ( من لم تستطع المناهج التوعوية من اجتثاث فكر ما لا تستطيع الورقة اجتثاث ذلك الفكر ) , إضافة لاكتمال قاعدة بيانات الهيئة وتنفيذ الاحكام بحق المجتثين ناهيك عن كم المظلوميات التي خرجت على الاعلام تستصرخ الانصاف وربما اخرها ما حصل لاحدى السيدات من عدم إعطاء حقوق ولدها الذي قتل على يد داعش بحجة انها من المجتثين ولا نعلم كيف يؤخذ أبناء وزوجة الابن المغدور بجريرة اجتثاث والدته وما سيكون عليه مستقبلهم وكيف سينظرون للنظام حينما يكبرون , لنضع امامنا أبناء ضحايا صدام والبعث وقناعاتهم بالنظام وبصدام فيم بعد ؟
المتابع لعمل الهيئة ليس بإدارتها الحالية فحسب بل وحتى من سبقتها وجد ان هناك ما يشبه المزاجية الشخصية والعمل بالكيف والقناعة الشخصية في بعض الأحيان حتى دون تأثيرات من جهات سياسية , الامر الذي جعل منها تكيل بمكيالين اتجاه اتخاذ القرارات بحق الشخصيات المشمولة بالاجتثاث ففي الوقت الذي نجد فيه وزراء ونواب في البرلمان العراقي رفع عنهم الاجتثاث , نرى الهيئة تطبق القانون بشكل صارم بحق مدير مدرسة او موظف بدرجة دنيا , فهل يتوافق هذا مع مبدأ تحقيق العدالة الانتقالية الذي كان آسه تشكيل الهيئة ؟ .
ما هو ملفت أيضا اننا لم نقرأ او نسمع تحقيقا قامت به هيئة النزاهة طال هيئة المساءلة والعدالة فهل كان عمل الهيئة طيلت كل هذه السنوات لم تشبه شبه فساد وكان رئيسها واعضائها وقضاتها وموظفوها معصومون من الزلل ام هو الخوف من ولوج دهاليزها وفتح ملفاتها .. انها الصندوق الاسود حتى الساعة ولا نعلم ان كان سيفتح في يوما ام لا ؟؟ .
جميع الدول التي تغيرت أنظمتها قامت باستيعاب من كان محسوبا على أنظمتها السابقة ومن عمل بأجهزتها الأمنية والعسكرية خلا ما تورط منهم بجرائم سيقوا اثرها الى المحاكم بينما نحن شهدنا تجريم الكل بجريرة الكل عدا من كانت تقف خلفه كتلة سياسية او زعيم لا يرد له امر . على ان المتورطين والمجرمين في النظام السابق مسجلين بقاعدة بيانات واسمائهم معروفة .
قرارات بريمر واجتثاث البعث مع انهما جاءا في فترة كان لابد والعمل بهما لكن ما يؤسف له ان روح الانتقام لدى المشرع كانت حاضرة وهي متماهية بطبيعة الحال مع ما كان يرغبه العراقيون حينها , ثم ان لسوء التطبيق أدى الى مظلومية عدد كبير منهم فاقصي الكثير دون جريرة سوى انتماء يذهب أحيانا ان يكون لتكسب مادي – مصلحي وليس فكري عقائدي – اديلوجي او جاء انتمائه لتسنم منصب ما ( كم من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات كان يلعن البعث في مجالسه الخاصه مع انه يحمل درجة عضو فرقة في الحزب ) , وكان لنا ان لا نغفل أيضا ان الكثيرين من منتسبي الأجهزة الأمنية القمعية للنظام وأيضا المؤسسة العسكرية كان على افرادها الانتماء قصريا والا يطردوا او يطاردوا ؟ .
هؤلاء ونتيجة قناعاتهم بوقوع الحيف والظلم عليهم دون جريرة تحولوا الى أعداء للنظام لا بل وحوش كواسر ومجرمين عتاه بعد وجدوا حاضنة لهم ” داعش ” تنتظرهم فقتلوا أبناءنا حتى وصل الحال لاحتلالهم الأرض .
أتمنى مراجعة موسوعة التطرف التي اعدها مجموعة من الباحثين ذكر فيها وحسب الحروف الابجدية أسماء لضباط ومراتب من المنتمين للأجهزة الأمنية والعسكرية وهيئة التصنيع العسكري ابان النظام السابق جميعهم انخرطوا مع داعش واصبحوا من عتاة الإرهابيين , بينما كان الاحرى بالنظام الحالي استيعابهم والاستفادة من خبراتهم وتحويلهم لأبناء يخدمون بلدهم ويدافعون عنه بدل استعداءه وحربهم له .
نجد ان المرحلة الحالية بما تحمل من تحديات ان لم نقل انها خطيرة فهي صعبة للغاية ثم ان حكومة السوداني الزمت باتفاقات مسبقة ابان حوارات تشكيلها ضمن تحالف إدارة الدولة وليس امامها سوى المثول وتنفيذ تلك الاتفاقات وحتى تسير عجلة الحكومة قدما الى الامام والا مآلات استمرار حكومة السوداني ستكون على المحك وما نخشاه على العراق حينها ان يقع في دائرة الفوضى من جديد . لابد وان تفكر بعض الزعامات السياسية والكتل بتغيير منهجيتها السياسية الى ما يناسب ارهاصات المرحلة الحاليةوان يغيروا من قناعاتهم لننتهي من هكذا فصل وننهي عمل الهيئة اذ دون المعقول ان يستمر عملها الى ما شاء الله لتصبح مصنعا يفرخ لنا ” مجتثين أبناء ” سنة بعد سنة حتى لنكون بعدها امام ” امة المجتثين ” .
*كاتب ومحلل سياسي




