
نزار حيدر: فيتو أميركي مع شروط على رئيس الوزراء القادم لتنفيذها
المستقلة/- أعاد المحلل السياسي نزار حيدر خلط الأوراق داخل المشهد السياسي العراقي، بعدما نشر عبر حسابه على فيسبوك رواية قال إنها منسوبة إلى القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، وتتضمن رسالة “حازمة” إلى القوى السياسية بشأن مواصفات رئيس الحكومة المقبل، في مقدمتها تفكيك الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، وتقليص النفوذ الإيراني، ووقف أي تعامل رسمي مع طهران.
وبينما لم تصدر حتى الآن تأكيدات رسمية علنية من السفارة الأميركية أو الجهات الحكومية العراقية بشأن مضمون ما نُقل، فإن توقيت التسريبات يمنحها ثقلًا مضاعفًا، إذ تأتي مع انسداد سياسي مستمر وتراجع ثقة داخلية وخارجية بقدرة الطبقة الحاكمة على إنتاج حكومة مستقرة، وسط قلق متزايد من ارتدادات أي أزمة سياسية على الاستقرار المالي والنقدي.
رسالة تتجاوز المجاملة
يفهم من الرواية المتداولة أن الموقف الأميركي، إن صحّ، لا يكتفي بتقديم نصائح عامة أو تفضيلات غير مباشرة، بل يذهب إلى تحديد خطوط حمراء أمام مسار تشكيل الحكومة. هذه المقاربة تعني عمليًا انتقالًا من التأثير عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة إلى خطاب أقرب إلى الاشتراط، بما يضع القوى السياسية أمام اختبار جديد يتجاوز التنافس الداخلي على المناصب.
فيتو محتمل على المرشحين
أبرز ما ورد في تسريبات حيدر هو الحديث عن رفض أميركي لأسماء مطروحة لرئاسة الحكومة. وفي القراءة التحليلية، فإن رفض الأسماء لا يُفهم بوصفه اعتراضًا شخصيًا فقط، بل اعتراضًا على نمط إنتاج القيادة داخل المنظومة السياسية نفسها. وعند هذه النقطة، يصبح التحدي أمام الكتل هو كيفية تقديم مرشح قادر على جمع الحد الأدنى من القبول المحلي، من دون أن يصطدم بفيتو خارجي قد يعطل ولادة الحكومة.
الاقتصاد كورقة ضغط
تلوّح الرواية بعواقب اقتصادية “فورية” في حال عدم الالتزام بالشروط، وهو ما يربط مسار تشكيل الحكومة بالاستقرار المالي بصورة مباشرة. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه العراق على علاقات مصرفية وتحويلات مالية تخضع لبيئة رقابية دولية حساسة، ما يجعل أي توتر سياسي قابلًا لأن يتحول سريعًا إلى توتر في السوق، وارتباك في التحويلات، وزيادة في مخاوف المستثمرين والمتعاملين.
النفوذ الإيراني في الواجهة
الشرط المتعلق بإنهاء النفوذ الإيراني يضع العلاقة مع طهران في قلب معادلة رئاسة الحكومة المقبلة. وتواجه القوى السياسية هنا معضلة مزدوجة: جزء مهم من الفاعلين المؤثرين يرتبط بإيران بدرجات متفاوتة، سياسيًا وأمنيًا، فيما يبدو أن واشنطن — بحسب التسريبات — تريد إعادة صياغة العلاقة على أسس مختلفة تمامًا. وبين هذين المسارين، تضيق مساحة المناورة التي لطالما استخدمتها بغداد للحفاظ على توازنها بين الضغوط المتعارضة.
السلاح خارج الدولة كاختبار
تفكيك الفصائل أو ضبط السلاح خارج إطار الدولة يظهر كأحد أعقد الشروط، لأن الأمر لا يرتبط بقرار حكومي فقط، بل بتوازنات ميدانية وسياسية ممتدة. وفي حال كانت واشنطن تضع هذا الملف كمعيار قبول أساسي، فإن رئيس الحكومة المقبل سيكون مطالبًا بخطوات تنفيذية ملموسة، لا بمجرد تعهدات، وهو ما يثير سؤال القدرة الواقعية لأي شخصية قادمة على مواجهة شبكة مصالح معقدة تشكلت عبر سنوات.
إشارات حادة للمالكي
من النقاط الأكثر حساسية في ما تداوله حيدر، ما قيل عن موقف أميركي سلبي من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، بوصفه “من الماضي سياسيًا”. وحتى مع اختلاف التقديرات بشأن دقة هذه الجزئية، فإنها تعكس — ضمن سياق التسريبات — تحولًا في معيار القبول الخارجي: ليس كافيًا أن يعلن السياسي استعداده للتفاهم، بل المطلوب القدرة على ضبط السلاح، وإدارة العلاقة مع الفصائل، وتقديم نموذج حكومة قابل للتسويق دوليًا.
القرار يتجاوز بغداد
ربط التسريبات بسعي بعض الأطراف إلى “مباركة” الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفتح الباب أمام قراءة أوسع، مفادها أن ملف الحكومة العراقية قد لا يُدار بمعزل عن التنافس الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، يصبح منصب رئيس الوزراء جزءًا من معركة نفوذ تتقاطع فيها ملفات إيران والاقتصاد والطاقة والأمن، أكثر من كونه استحقاقًا محليًا خالصًا.
مأزق التسوية الداخلية
على المستوى الداخلي، تبدو خيارات القوى السياسية محدودة ومكلفة. فاستمرار الانسداد يعني مزيدًا من التآكل في الثقة العامة، فيما البحث عن شخصية تسوية “جديدة” قد يواجه عقبة الغطاء السياسي الهش، لأن أي مرشح من خارج الصف الأول غالبًا ما يحتاج إلى دعم كتل متصارعة. وفي المقابل، الإصرار على مرشح من داخل المنظومة قد يفتح الباب أمام تصعيد سياسي واقتصادي إذا تحولت التهديدات المتداولة إلى إجراءات واقعية.
الدولة محور الصراع الحقيقي
تكشف هذه التسريبات، سواء ثبتت تفاصيلها أو بقيت في إطار التحليل السياسي، أن الصراع في العراق لم يعد محصورًا في اسم رئيس الحكومة، بل في شكل الدولة نفسها: دولة تحتكر السلاح وتعيد تنظيم قرارها الخارجي، أم دولة تدار بتوازنات قوى مسلحة ونفوذ إقليمي متشابك. وفي ظل هذا المشهد، يتجه السؤال الحاسم إلى ما هو أبعد من اختيار الشخص: هل تستطيع الطبقة السياسية الحالية إنتاج رئيس حكومة يوازن بين الضغوط الخارجية وحسابات الداخل، ويحمي الاستقرار المالي، ويمنع انتقال الانسداد السياسي إلى أزمة أوسع تهدد بنية الدولة؟






