
من هرمز إلى ازمة المصارف.. هل دخل العراق مرحلة الانهيار المصرفي؟
المستقلة/- لم تعد أزمة العراق المالية محصورة في تراجع صادرات النفط أو فقدان عشرات المليارات من الدولارات من الإيرادات. الخطر الأشد بدأ يظهر في مكان أكثر حساسية: المصارف.
فالقطاع المصرفي العراقي دخل خلال الأشهر الأخيرة تحت ضغط متزايد من نقص السيولة، وتراجع الودائع، وانكماش الائتمان، وتوقف معظم المصارف الحكومية عن منح القروض والسلف، بالتزامن مع تصاعد حاجة الحكومة إلى الأموال لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل يدفع إغلاق مضيق هرمز وخسائر النفط العراق نحو أزمة مصرفية واسعة؟
الإجابة لا تبدأ من المصارف، بل من النفط.
العراق يعتمد بصورة كبيرة على إيرادات النفط لتمويل الموازنة والإنفاق العام. وعندما تراجعت قدرة البلاد على تصدير الخام عبر الخليج نتيجة أزمة مضيق هرمز، فقدت الدولة تدفقات مالية هائلة كانت تمثل المصدر الأساسي للدولار والسيولة الحكومية.
وفي أيلول 2026، قدر مسؤولون عراقيون الخسائر المتراكمة في الإيرادات النفطية بنحو 60 مليار دولار، وهي خسارة تعني عملياً أن عشرات المليارات التي كانت ستدخل حسابات الدولة لم تعد متاحة لتمويل الرواتب والمشاريع والاستثمارات.
لكن الخسارة الأخطر لا تظهر فقط في وزارة المالية.
بل تنتقل إلى المصارف.
المصارف الحكومية توقف القروض
في 10 أيلول، كشف مصدر مصرفي أن معظم المصارف الحكومية العراقية توقفت عن منح القروض والسلف بسبب محدودية التخصيصات وعدم كفاية السيولة.
وبحسب البيانات المنشورة، انخفض إجمالي الودائع المصرفية بنسبة 5.6% خلال النصف الأول من 2026، فيما تراجع الائتمان النقدي بنسبة 5.4%.
كما أدى انخفاض الودائع إلى تقليص قدرة المصارف على تمويل المجمعات السكنية والمشاريع الاستثمارية في بغداد والمحافظات.
هذه الأرقام قد تبدو محدودة للوهلة الأولى، لكن معناها المصرفي بالغ الخطورة.
المصرف لا يعمل بأمواله الخاصة فقط.
جزء أساسي من نشاطه يعتمد على أموال المودعين، ثم يعيد ضخها في السوق على شكل قروض وتمويل واستثمارات.
وعندما تبدأ الودائع بالتراجع، ويزداد السحب النقدي، ويصبح المصرف أكثر تحفظاً في الإقراض، تبدأ دائرة يمكن أن تتحول تدريجياً إلى أزمة سيولة.
لماذا تعد أزمة السيولة خطرة؟
المصرف قد يكون مالكاً لأصول وقروض ومستحقات بمليارات الدنانير، لكنه لا يستطيع دفع أموال المودعين إذا لم يمتلك سيولة نقدية كافية في اللحظة المطلوبة.
ولهذا فإن الأزمات المصرفية لا تبدأ دائماً بإعلان الإفلاس.
تبدأ أحياناً بتأخير السحب.
ثم تحديد سقوف للسحب.
ثم إيقاف القروض.
ثم البحث عن تمويل طارئ.
ثم تدخل البنك المركزي.
وفي الحالات الأكثر خطورة قد تصل إلى الوصاية أو إعادة الهيكلة أو التصفية.
وهذا المسار لم يعد افتراضياً بالكامل في العراق.
«الطيف».. الإنذار الذي ظهر إلى العلن
في أيلول فرض البنك المركزي العراقي الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي.
وفي بيان رسمي، أكد البنك المركزي أن حقوق المودعين محفوظة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى العمل على تعزيز سيولة المصرف وتنظيم عمليات السحب والوفاء بالتزاماته المالية بصورة تدريجية ومنظمة.
هذه العبارة مهمة للغاية.
فالحاجة إلى تعزيز السيولة وتنظيم السحوبات تعني أن هناك ضغطاً فعلياً على قدرة المصرف على تلبية الالتزامات بالصورة المعتادة.
لكن البنك المركزي شدد أيضاً على أن فرض الوصاية على أي مصرف لا يعني تلقائياً إفلاسه، ووصف هذه الإجراءات بأنها رقابية واحترازية لحماية المودعين واستقرار العمليات المصرفية.
وبالتالي فإن حالة الطيف لا يمكن وحدها استخدامها لإعلان انهيار القطاع المصرفي العراقي كله.
لكنها تصلح كـإشارة إنذار لما يمكن أن يحدث عندما تتراكم مشاكل السيولة والثقة والالتزامات المالية داخل مؤسسة مصرفية.
من أين بدأت أزمة السيولة؟
المعادلة بسيطة لكنها خطيرة.
عندما تخسر الدولة جزءاً كبيراً من إيرادات النفط، تصبح أمام خيارين أساسيين:
تقليص الإنفاق، أو البحث عن تمويل بديل.
وفي دولة تدفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين وتتحمل إنفاقاً تشغيلياً ضخماً، يصبح خفض الإنفاق سريعاً أمراً شديد الصعوبة.
لذلك يتزايد الاعتماد على الاقتراض الداخلي وأدوات التمويل المحلية.
وهنا تدخل المصارف إلى قلب الأزمة.
كلما اقترضت الحكومة مبالغ أكبر من الجهاز المصرفي، أصبحت كمية الأموال المتاحة للمصارف لإقراض المواطنين والشركات أقل.
بمعنى آخر:
الدولة والمواطن والقطاع الخاص يبدأون بالتنافس على السيولة نفسها.
والدولة غالباً هي الطرف الأقوى.
فتذهب الأموال نحو تمويل العجز والرواتب بدلاً من قروض الإسكان والمصانع والتجارة والمشاريع الجديدة.
عندما تختفي القروض يبدأ الانكماش
توقف القروض ليس مشكلة مصرفية فقط.
المواطن الذي كان يريد شراء منزل بالسلفة يؤجل الشراء.
المقاول الذي يحتاج إلى تمويل يتوقف.
المشروع الجديد لا يبدأ.
الشركة تخفف التوظيف.
والأسواق تفقد جزءاً من الطلب.
ثم تبدأ الأموال بالدوران بسرعة أبطأ داخل الاقتصاد.
وهذا يمكن أن يفسر لماذا تتحول أزمة السيولة المصرفية بسرعة إلى مشكلة في القوة الشرائية وفرص العمل والاستثمار.
إنها سلسلة واحدة:
نفط أقل → إيرادات أقل → ضغط على الخزينة → اقتراض أكبر → سيولة أقل في المصارف → قروض أقل → استثمار أقل → وظائف أقل → إنفاق أقل.
أزمة الثقة أخطر من نقص الأموال
لكن المشكلة الأكبر التي تواجه أي جهاز مصرفي ليست السيولة وحدها.
إنها الثقة.
إذا شعر المودع بأن مصرفه قد يواجه مشكلة، فإنه يسارع إلى سحب أمواله.
وإذا فعل آلاف المودعين الشيء نفسه، فإن مصرفاً سليماً نسبياً يمكن أن يواجه أزمة سيولة حقيقية خلال وقت قصير.
ولهذا سارع البنك المركزي العراقي خلال أيلول إلى إصدار بيانات تطمين متكررة للمودعين والتأكيد على سلامة القطاع المصرفي والإجراءات الرقابية.
وفي 19 أيلول أعلن المركزي أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب على العملة الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية والبطاقات والمسافرين، مؤكداً استمرار تمويل الاستيرادات الرسمية.
هذه البيانات تعني أن البنك المركزي يحاول منع الأزمة المالية من التحول إلى أزمة ثقة عامة بالمصارف والدينار.
هل نحن أمام انهيار مصرفي؟
حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية تثبت حدوث انهيار شامل للنظام المصرفي العراقي.
لكن هناك مجموعة إشارات لا يمكن تجاهلها:
انخفاض الودائع، تراجع الائتمان، توقف واسع للقروض والسلف في المصارف الحكومية، ضغوط سيولة، تحقيقات في مستويات السيولة والتمويلات الكبيرة، وفرض الوصاية على مصرف خاص مع تنظيم عمليات السحب منه.
اقتصادياً، هذه ليست علامات «انهيار كامل».
لكنها علامات إجهاد مصرفي واضح.
والفارق بين الإجهاد والانهيار يعتمد على عامل أساسي: قدرة البنك المركزي والحكومة على استعادة السيولة والثقة قبل أن تنتقل الأزمة من مصرف إلى آخر.
الخطر الحقيقي: العدوى المصرفية
المشكلة في القطاع المصرفي أن أزمة مصرف واحد قد لا تبقى داخله.
إذا تعثر مصرف وأصبح المودعون غير قادرين على الوصول إلى أموالهم بسهولة، يبدأ العملاء في المصارف الأخرى بالسؤال:
هل أموالي آمنة؟
وعندها يمكن أن تنتقل عمليات السحب من مؤسسة إلى أخرى.
هذه الظاهرة تعرف عالمياً باسم العدوى المصرفية.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على وقوع عدوى مصرفية شاملة في العراق، لكن البيئة الحالية تجعل منعها أولوية قصوى.
لذلك فإن حماية المودعين ليست مجرد حماية لأموالهم، بل حماية للنظام المالي بأكمله.
هرمز فتح نقطة الضعف
قبل أزمة هرمز، كان الاقتصاد العراقي يعاني أصلاً من ضعف القطاع المصرفي، وانخفاض نسبة الأموال التي تمر عبر الجهاز البنكي، واعتماد واسع على النقد.
جاءت خسارة الإيرادات النفطية لتضيف ضغطاً جديداً.
المشكلة إذن ليست أن إغلاق المضيق «أسقط المصارف» بصورة مباشرة.
الأدق أن الأزمة النفطية ضغطت على اقتصاد يعاني أصلاً من نقاط ضعف مصرفية ومالية، ورفعت مخاطر التعثر والسيولة إلى مستوى أعلى.
وإذا استمرت خسائر النفط، واستمر الاقتراض الحكومي، وبقيت الودائع تتراجع والائتمان ينكمش، فإن الخطر لن يكون فقط توقف السلف والقروض.
الخطر سيكون وصول بعض المؤسسات الأضعف إلى مرحلة لا تستطيع فيها الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين من دون تدخل البنك المركزي.
عندها تنتقل الأزمة من نقص السيولة إلى تعثر مصرفي حقيقي.
60 مليار دولار.. والخسارة التي لا تظهر في الحسابات
خسارة 60 مليار دولار من الإيرادات النفطية، إذا استقرت عند هذا المستوى وفق التقديرات الرسمية المتداولة، لا يمكن قياسها فقط بعدد الدولارات التي لم تدخل الخزينة.
هناك خسائر ثانية تنتشر تحت السطح:
مصرف لا يقرض.
شركة لا تتوسع.
مواطن لا يحصل على سلفة.
مشروع يتوقف.
وظيفة لا تُخلق.
وديعة تُسحب خوفاً من المستقبل.
وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الدولة والنفط، يمكن لهذه السلسلة أن تصبح أخطر من خسارة النفط نفسها.
فإغلاق مضيق هرمز كشف أن نقطة الضعف العراقية ليست فقط في وجود منفذ نفطي واحد بالغ الأهمية.
بل في أن صدمة النفط تستطيع الوصول خلال فترة قصيرة من ميناء البصرة إلى وزارة المالية، ومنها إلى خزائن المصارف، ثم إلى حساب المواطن.
ولهذا ربما يكون السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية اليوم ليس: كم خسر العراق من النفط؟
بل:
كم تستطيع المصارف العراقية تحمل استمرار هذه الخسائر قبل أن تتحول أزمة السيولة الحالية إلى أزمة مصرفية أوسع؟
أخبار قد تهمك
الخزانة الأميركية تمنح الخطوط العراقية ترخيصاً مشروطاً لرحلات إيران عبر مطار النجف
السجن 7 سنوات للنائب محمد فرمان بقضية كسب غير مشروع
الدولار يصعد مجدداً في بغداد وأربيل ويسجل 157 ألف دينار
الكهرباء تتصدر أولويات موازنة 2027.. توجه لتركيب العدادات الذكية وتحسين التجهيز
دولة القانون يدفع بياسر صخيل للداخلية.. وتوجه لاختيار وزير مدني
النزاهة توقف 10 موظفين في مستشفى بالسماوة بقضية تلاعب بوصولات المرضى
80 راداراً جديداً في شوارع العراق.. والمرور تستعد لتطبيق نظام السرعات الذكي
طقس العراق اليوم.. أجواء معتدلة نسبياً وأمطار رعدية في الشمال
العراق ضمن انتعاش صادرات نفط الشرق الأوسط.. 16.3 مليون برميل يومياً في سبتمبر
الذهب يستقر قرب أدنى مستوى في 7 أسابيع وسط ترقب بيانات أمريكية
القرفة ليست آمنة دائماً.. متى تهدد صحة الكبد؟




