من كربلاء إلى غزة: عندما تحل الأيديولوجيا الدينية محل الواجب الوطني

أسامة الأطلسي

لطالما ارتكزت القضية الفلسطينية على الهوية الوطنية وعلى مشروع التحرر من الاحتلال، حيث كان الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه يرى في مقاومته معركة وجودية من أجل الأرض والكرامة. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحوّل خطير في مسار هذه القضية، خاصة مع سيطرة حركة حماس على المشهد السياسي والعسكري في غزة، حيث أُعيدت صياغة النضال من إطار وطني جامع إلى خطاب ديني مشبع بالولاءات الخارجية.

من الهوية الوطنية إلى الولاء الخارجي

بينما كان الفلسطينيون يرفعون شعار “الحرية والاستقلال”، وجدت حركة حماس نفسها تنسج علاقات أيديولوجية وتنظيمية عابرة للحدود، أبرزها مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومع النظام الإيراني. هذا التحالف لم يعد مجرد تقارب سياسي أو تبادل مصالح، بل تحول إلى تبعية واضحة لمشاريع إقليمية أكبر من غزة وأبعد ما تكون عن هموم أهلها.

اليوم، قرارات مصيرية تخص مصير مليوني إنسان في القطاع قد تُتخذ في طهران أو تُسوَّق عبر خطابات إيديولوجيين في القاهرة، في مشهد يُعيد رسم النضال الفلسطيني كجزء من صراعات إقليمية بدل أن يبقى معركة تحرر وطني خالصة.

غزة كساحة معركة بالوكالة

بفعل هذه الولاءات، تحولت غزة إلى ساحة مواجهة تُدار وفق أجندات خارجية. بالنسبة لإيران مثلًا، القطاع ورقة ضغط على إسرائيل والولايات المتحدة أكثر مما هو قضية إنسانية تخص سكانه. أما بالنسبة للإخوان المسلمين، فإن غزة تُقدَّم كرمز إسلامي أكثر من كونها قضية وطنية فلسطينية.

وبين هذا وذاك، يدفع المدنيون الثمن: حصار خانق، قصف متواصل، وغياب أفق سياسي واقتصادي. فبدلًا من أن تكون الأولوية توفير الأمن والغذاء والدواء، أصبحت الأولوية الحفاظ على علاقات إقليمية تمنح “الشرعية” للحركة على حساب دماء الأبرياء.

تآكل الوطنية الفلسطينية

هذا التحول من مشروع وطني إلى مشروع ديني أضعف الهوية الفلسطينية الجامعة. فالقضية لم تعد تُطرح باعتبارها قضية شعب يريد الحرية على أرضه، بل كجزء من “محور مقاومة” تديره قوى إقليمية ذات حسابات معقدة. وبهذا، تراجعت مكانة الفلسطيني كصاحب حق أصيل، وحل مكانها خطاب يضع الأيديولوجيا فوق مصلحة الإنسان.

والأخطر أن هذا المسار أدى إلى تفكيك الوحدة الوطنية: فبينما يسعى بعض الفلسطينيين للحفاظ على مشروع الدولة المستقلة، تجرّ حماس الشارع إلى رؤية مؤدلجة تعمّق الانقسام الداخلي وتزرع العداء بين الفصائل بدل توحيدها.

أصوات ناقدة من الداخل

اليوم، تتزايد الأصوات في غزة وخارجها التي تنتقد هذا النهج. يقول أحد المثقفين الفلسطينيين (طلب عدم ذكر اسمه): “قضيتنا قضية أرض وحرية، وليست ساحة لتصفية حسابات بين إيران والغرب. كلما ابتعدنا عن الوطنية الفلسطينية، كلما ضاعت بوصلتنا”.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بات الغزيون يكتبون بصراحة عن سخطهم: “نحن نُدفن تحت الركام، بينما يرفع قادتنا شعارات مستوردة من عواصم لا تعرف معنى الحصار”.

الخلاصة: العودة إلى البوصلة

إذا استمرت حماس في ربط مصير غزة بمشاريع إقليمية وأيديولوجية، فإنها ستفقد ما تبقى من ثقة شعبها، وسيضيع جوهر القضية الفلسطينية. فما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس “كربلاء جديدة” ولا شعارات إخوانية أو إيرانية، بل قيادة وطنية حقيقية تعيد الاعتبار للهوية الفلسطينية الجامعة وتضع الإنسان فوق الأيديولوجيا.

القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية شعب يناضل من أجل الحرية على أرضه، وأي محاولة لاختزالها في مشاريع دينية أو أجندات خارجية ليست سوى خيانة لذاكرة الشهداء ولدموع الأمهات تحت ركام غزة.

زر الذهاب إلى الأعلى