من كاراكاس إلى طهران.. كيف يُعاد رسم العالم على أنقاض الشرق الأوسط القديم؟

رامي الشمري

ليست فنزويلا، كما قد يبدو للوهلة الأولى، دولة بعيدة عن الشرق الأوسط إلا جغرافيًا. أمّا في خرائط الصراع الدولي وإدارة الموارد، فهي تقع في تماسٍ مباشر مع تحولات الإقليم.

فما يجري هناك لا يمكن اختزاله في أزمة داخلية أو صراع نفوذ محلي، بل ينبغي قراءته كجزء من إعادة ترتيب كبرى لمراكز القوة العالمية، تتزامن مع اهتزاز بنية الشرق الأوسط القديم، لا بالضرورة سقوطه الكامل، بل دخوله طورًا انتقاليًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.

حرب الاثنى عشر يومًا: اختبار الردع لا انهياره

شكّلت حرب الأيام الاثني عشر محطة مفصلية في مسار الردع الإقليمي، ليس لأنها حسمت ميزان القوى، بل لأنها اختبرت حدوده العملية.

فقد شهدت المواجهة استخدامًا ميدانيًا لصواريخ عالية السرعة، بعضها وُصف بالفرط صوتي، ما وضع منظومات الدفاع الجوي أمام تحديات تقنية لم تُختبر سابقًا في بيئة قتال حقيقية.

وبحسب تقديرات عسكرية متقاطعة، مستندة إلى نماذج محاكاة واعتراض منشورة في مراكز دراسات غربية وإسرائيلية، فإن هذه الصواريخ:

  • ضغطت على ثلاث طبقات دفاعية متعاقبة:
  1. القبة الحديدية (Iron Dome)
  2. مقلاع داوود (David’s Sling)
  3. منظومات السهم (Arrow-2 وArrow-3)
  • كشفت محدودية الأنظمة المصممة لاعتراض مسارات باليستية تقليدية.
  • حققت نسب اختراق تراوحت بين 60–70% في بعض الموجات المركّبة، وهي نسبة مرتفعة قياسًا بمعايير الدفاع الجوي الحديثة.

هذه النتائج لا تعني انهيار منظومات الدفاع، لكنها أسقطت وهم الحصانة المطلقة للسماء، وأعادت تعريف مفهوم التفوق الجوي بوصفه مسألة نسبية لا نهائية.

الصواريخ الفرط صوتية: معضلة استراتيجية مفتوحة

تكمن خطورة هذا النوع من السلاح في مجموعة خصائص مجتمعة:

  • سرعة تتجاوز  5 ماخ.
  • قدرة على المناورة داخل الغلاف الجوي.
  • مسارات غير ثابتة تصعّب التنبؤ والاعتراض.

وتشير حسابات زمن الاشتباك إلى أن هذه الصواريخ تقلّص زمن الإنذار من متوسط 7–10 دقائق في الصواريخ الباليستية التقليدية، إلى أقل من 2–3 دقائق، ما يضع منظومات القيادة والسيطرة أمام ضغط قرار غير مسبوق.

ومع ذلك، فإن تحويل هذه الميزة التقنية إلى تفوق استراتيجي دائم لا يزال موضع جدل، في ظل سباق متسارع لتطوير أنظمة اعتراض جديدة، ما يجعلنا أمام مرحلة اختبار تكنولوجي لا مرحلة حسم نهائي.

كلفة الدفاع: حين تتحول المعركة إلى استنزاف اقتصادي

إلى جانب البعد العسكري، برزت معضلة الكلفة بوصفها عاملًا حاسمًا. فوفق تقديرات صناعية دفاعية:

  • كلفة اعتراض الصاروخ الواحد عبر القبة الحديدية تتراوح بين 50–100 ألف دولار.
  • عبر مقلاع داوود بين 1–2 مليون دولار.
  • وعبر Arrow-3 قد تصل إلى 3–5 ملايين دولار.

في المقابل، لا تتجاوز كلفة بعض الصواريخ المهاجمة جزءًا من هذه الأرقام، ما يفتح نقاشًا استراتيجيًا حول انتقال الصراع من ميدان الحسم العسكري إلى حرب استنزاف اقتصادية طويلة النفس.

كسر الخطوط الحمراء… دون إسقاط النظام الدولي

الأكثر دلالة في المواجهة الأخيرة لم يكن حجم الضربات، بل طبيعة القرار السياسي.إذ جرى تجاوز نمط “الحروب بالوكالة” نحو ردود مباشرة محسوبة، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

هذا التطور لا يعني انهيار الهيبة الأميركية، بقدر ما يعكس تعديلًا في قواعد الاشتباك، حيث بات الرد المباشر ممكنًا ضمن سقوف مدروسة، تجنّب الجميع كلفة الانفجار الكبير.

هدنة ما بعد الصدمة: إعادة تموضع لا استسلام

التهدئة التي أعقبت المواجهة لا يمكن توصيفها كانتصار حاسم لأي طرف.إنها أقرب إلى:

  • وقف مؤقت لإعادة التقييم.
  • ترميم متبادل للردع.
  • محاولة لشراء الوقت في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا.

فالتنازلات المحدودة لم تكن ثمرة تفوق مطلق، بل نتيجة حسابات كلفة ومخاطر.

مضيق هرمز: الردع الاقتصادي الصامت

يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في أي سيناريو تصعيدي.إذ تمر عبره يوميًا ما بين 18–21 مليون برميل نفط، أي ما يقارب 20–22% من الاستهلاك العالمي.

وتشير سيناريوهات الطاقة الدولية إلى أن أي إغلاق جزئي أو اضطراب ممتد قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 140–150 دولارًا للبرميل خلال أسابيع قليلة، مع انعكاسات تضخمية عالمية عميقة.

هذا العامل وحده يفسّر الحذر الأميركي–الدولي، ويُبقي الحرب الشاملة في خانة الاحتمال المكلف لا الخيار المفضل.

فنزويلا: نفط البدائل وساحة الاشتباك الهادئ

في هذا السياق، تعود فنزويلا إلى الواجهة بوصفها مخزون طاقة استراتيجيًا.فهي تمتلك احتياطات نفط مؤكدة تتجاوز 300 مليار برميل، ما يضعها في صدارة الدول عالميًا وفق تصنيفات منظمة أوبك.

لكن محدودية قدرتها الإنتاجية الفعلية، بفعل العقوبات والبنية التحتية، تجعلها ورقة استراتيجية طويلة الأمد أكثر من كونها حلًا فوريًا، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام السياسي بها في لحظات الاختناق العالمي.

إدارة صراع لا إشعال حرب

تشير التحركات الأميركية–الإسرائيلية الأخيرة إلى نمط واضح:

  • تصعيد محسوب دون تجاوز العتبة الكبرى.
  • ضغط اقتصادي وسياسي طويل النفس.
  • تركيز على تفكيك الخصوم من الداخل بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

إنها استراتيجية إدارة صراع لا استراتيجية حسم.

الخاتمة: شرق أوسط قيد التشكل… بلا يقين نهائي

ما نشهده اليوم ليس انتصار محور ولا هزيمة آخر، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى.الشرق الأوسط لم يعد هشًّا كما كان، لكنه لم يصبح محصّنًا بالكامل.

والسماء لم تعد حكرًا، لكنها لم تُفتح بلا ثمن.إ

نها لحظة إعادة تشكّل، تُكتب فصولها الأولى الآن…

أمّا نتائجها النهائية، فلا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.

زر الذهاب إلى الأعلى