ماذا بعد انتهاء الحرب الأميركية على إيران.. العراق أمام اختبار النفط والدولار والسيادة

المستقلة/- إذا اتجهت الحرب الأميركية على إيران إلى نهايتها، فإن العراق لن يكون خارج معادلة “ما بعد الحرب”، بل في قلبها تماماً. فبغداد لا تتأثر فقط بنتائج المعركة على الحدود، بل بتبدّل قواعد النفوذ في المنطقة، وبمستوى الضغط على قنوات المال والطاقة، وبقدرة الدولة على حماية قرارها من التحول إلى انعكاس مباشر لمعادلات الخارج. لذلك، فإن “نهاية الحرب” بالنسبة للعراق لا تعني بالضرورة نهاية المخاطر، بقدر ما تعني انتقالها من الميدان إلى أدوات أكثر تعقيداً: النفط، والدولار، والسيادة.

اقتصادياً، يبدو ملف النفط أول اختبار. فالتهدئة الإقليمية غالباً ما تخفف علاوة المخاطر في أسواق الطاقة، ما قد يدفع الأسعار نحو استقرار أو هبوط تدريجي بعد موجات الارتفاع التي ترافق التوتر. وهذا يحمل مفارقة للعراق: الاستقرار الأمني الإقليمي قد يكون جيداً للاستثمار والنشاط التجاري، لكنه قد يقلّص الإيرادات إذا انخفضت الأسعار، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط. هنا يصبح السؤال داخلياً بقدر ما هو خارجي: هل تستطيع الحكومة تحويل “هدوء النفط” إلى فرصة لتنويع الإيرادات، أم ستبقى أسيرة دورة سعرية تفرض كل مرة خطط تقشف أو إنفاقاً بلا إصلاح؟

الاختبار الثاني يتعلق بالدولار والتحويلات. فالعراق شديد الحساسية لأي تشدد في قواعد الامتثال والتدقيق المرتبطة بالنظام المالي الدولي، وأي اضطراب في هذا الملف ينعكس فوراً على سعر الصرف وثقة السوق وكلفة الاستيراد. انتهاء الحرب قد يخفف مستوى القلق السياسي ويقلل من ضغوط “حرب الرسائل” داخل العراق، لكنه لا يلغي الثغرات البنيوية في تمويل التجارة وتدقيق الفواتير وشفافية التحويلات. بمعنى آخر: حتى لو هدأ الإقليم، فإن “الدولار” سيبقى ملفاً عراقياً داخلياً ما لم تُغلق منافذ التلاعب التي تجعل السوق هشاً أمام أي موجة تدقيق خارجي، وما لم تُستكمل إصلاحات المصارف والحوكمة والامتثال بصورة قابلة للقياس.

أما الاختبار الثالث فهو السيادة، وهو الأصعب، لأنه مرتبط بسؤال من يملك قرار السلم والأمن داخل العراق. في مرحلة ما بعد الحرب، قد تتراجع وتيرة التصعيد المباشر، لكن الصراع على النفوذ لا يتوقف عادة بل يغيّر أدواته. وقد ينتقل التنافس إلى داخل المؤسسات والاقتصاد والمشاريع والاتفاقات، أو إلى ضغط سياسي عبر ملف السلاح خارج الدولة وحماية البعثات والمنشآت. إذا لم تتمكن بغداد من ضبط تعدد مراكز القوة وإدارة التوازنات بقرار مركزي واضح، فإن “نهاية الحرب” قد تُفتح كمرحلة إعادة فرز داخلية، تُختبر فيها قدرة الدولة على فرض هيبتها ومنع تحويل أراضيها إلى مساحة ضغط دائمة.

وفي هذا السياق، تبدو الحكومة العراقية أمام مسارين. الأول أن تستثمر نافذة التهدئة لإطلاق حزمة قرارات صلبة: إصلاح مصرفي واضح، رقابة فعّالة على تمويل الاستيراد، خطوات تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل سياسة خارجية متوازنة تمنع العودة إلى منطق المحاور. أما المسار الثاني فهو الاكتفاء بإدارة اللحظة سياسياً، ما يبقي العراق في “استقرار هش” يتأرجح مع كل موجة توتر جديدة، ويجعل النفط والدولار والسيادة ملفات قابلة للارتباك عند أول اختبار.

الخلاصة أن انتهاء الحرب الأميركية على إيران، إن تحقق، سيكون فرصة للعراق فقط إذا تحولت التهدئة إلى برنامج داخلي لا إلى انتظار سلبي. فالنفط قد يستقر، لكن الريعية ستبقى خطراً. والدولار قد يهدأ، لكن الثغرات ستعود. والسيادة قد تُرفع شعاراً، لكنها لا تُحمى إلا بقرار دولة واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى