قانونيون يطعنون بشرعية المجلس السيادي للنزاهة: مكافحة الفساد لا تبرر خرق الدستور

المستقلة/- فتح قرار رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام” بابًا واسعًا للجدل القانوني والسياسي، بعدما رأت أوساط قانونية أن القرار، بصيغته المعلنة، قد يشكل تجاوزًا على الحدود الدستورية الفاصلة بين السلطة التنفيذية والهيئات المستقلة والسلطة القضائية.

وبحسب البيان المتداول عن مكتب رئيس الوزراء، فإن الزيدي وجّه بتشكيل المجلس برئاسته وعضوية رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، على أن يتولى “المتابعة الرقابية” للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات في الملفات الجوهرية وذات الأثر المهم، بهدف إيقاف هدر المال العام واسترداد أموال الدولة، مع إرسال مخرجات عمله إلى القضاء. كما حضر الاجتماع رئيس الادعاء العام وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة.

ورغم أن مكافحة الفساد واسترداد المال العام يمثلان أولوية وطنية لا خلاف عليها، فإن الإشكال الجوهري لا يتعلق بالهدف المعلن، بل بالوسيلة الدستورية التي اختارها رئيس الوزراء. فالدستور العراقي منح هيئة النزاهة وضعًا مستقلًا يخضع لرقابة مجلس النواب، كما عدّ ديوان الرقابة المالية هيئة مستقلة ماليًا وإداريًا ويرتبط بمجلس النواب، لا بمجلس الوزراء.

ومن هنا، يرى منتقدون أن وضع هاتين المؤسستين داخل مجلس يرأسه رئيس السلطة التنفيذية يضرب فلسفة الاستقلال الرقابي في أصلها؛ إذ كيف يمكن لجهات يفترض أن تراقب الحكومة والوزارات أن تعمل ضمن إطار تقوده رئاسة الوزراء نفسها؟

الدكتورة زينب جاسم الساعدي ذهبت في الاتجاه نفسه، معتبرة أن تشكيل هذه المجالس يعد التفافًا واضحًا على نصوص الدستور التي نصت على استقلالية القضاء وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، ورقابتها على السلطة التنفيذية لا خضوعها لها. وهذا الرأي يلامس جوهر الأزمة: هل نحن أمام أداة لمكافحة الفساد، أم أمام هندسة تنفيذية جديدة تضع الرقابة تحت إدارة الجهة الخاضعة أصلًا للرقابة؟

أما الخبير القانوني د. غازي فيصل فقدم اعتراضًا أكثر تفصيلًا، إذ رأى أن تشكيل المجلس برئاسة رئيس الوزراء وعضوية رئيسي هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية يمثل “طعنة” في استقلال الهيئات المستقلة، معتبرًا أن القرار لا يستند إلى نص قانوني صريح، وقد يكون معيبًا بعيب الاختصاص، ما يجعله قابلًا للطعن أمام القضاء الإداري.

وتزداد حساسية القرار مع حضور رئيس الادعاء العام وقاضٍ مختص بقضايا النزاهة في اجتماع تنفيذي برئاسة رئيس الوزراء. فالقضاء والادعاء العام ليسا جزءًا من الإدارة الحكومية، وجلوسهما في إطار سياسي تنفيذي لمناقشة ملفات يفترض أن تصل لاحقًا إلى القضاء يطرح سؤالًا بالغ الخطورة حول الفصل بين مسار التدقيق الإداري ومسار التحقيق القضائي.

دستوريًا، يملك رئيس الوزراء صلاحية إدارة السياسة العامة للدولة والإشراف على الوزارات، وفق المادة 78 من الدستور، ويمارس مجلس الوزراء صلاحيات تنفيذ السياسة العامة والإشراف على الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وفق المادة 80. لكن هذه الصلاحيات لا تمنح الحكومة حق إعادة ترتيب موقع الهيئات المستقلة أو إدخالها في مجلس أعلى برئاسة رئيس السلطة التنفيذية.

لذلك، فإن قرار الزيدي يبدو، في نظر معترضين، بداية مرتبكة لولاية حكومية يفترض أن تبدأ بإظهار احترام صارم للدستور، لا بتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الرقابية والقضائية. وحتى إذا كان القرار صدر بحسن نية أو بدافع مكافحة الفساد، فإن مخالفة الدستور لا تصبح مقبولة بسبب نبل الهدف.

الخلاصة أن مكافحة الفساد لا تحتاج إلى مجالس سيادية فوقية بقدر ما تحتاج إلى احترام المؤسسات القائمة، وتمكين هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والقضاء من أداء أدوارهم بلا تدخل سياسي. أما تشكيل مجلس برئاسة رئيس الوزراء يضم جهات رقابية مستقلة، فقد يتحول من عنوان إصلاحي إلى سابقة دستورية خطيرة، إذا لم يُراجع سريعًا أو يُضبط بقانون واضح يضمن استقلال الرقابة والقضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى