
بين القضاء والسياسة: زيدان يحذّر من خطيئة “إعادة صياغة الدستور” عبر التفسير الدستوري
المستقلة/ متابعة/– فتح رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان باباً واسعاً للجدل الدستوري والسياسي في العراق، بعد نشره مقالة بعنوان «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» اعتبر فيها أن التفسير الدستوري ليس مجرد عملية فنية، بل “فعل تأسيسي” ينعكس على شكل الدولة وتوازن السلطات وشرعية الحكم، محذّراً من أن الانحراف في التفسير قد يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج قواعد الحكم خارج المسارات الدستورية المشروعة.
وركّز زيدان على أن “الخطيئة” لا تعني اختلافاً طبيعياً في المدارس التفسيرية، بل تتجسّد – وفق طرحه – عندما يُحمَّل النص ما لا يحتمل، أو يُتجاوز سياقه ومقاصده، أو تُغلَّب اعتبارات ظرفية وسياسية على مبادئ الدستور الثابتة، بما يفضي إلى اهتزاز الثقة باستقلال القضاء الدستوري إذا بدا التفسير منسجماً مع مصالح طرف سياسي بعينه.
وفي صلب المقالة، أعاد زيدان تسليط الضوء على المادة (76) من دستور 2005 المتعلقة بتكليف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بتشكيل مجلس الوزراء، معتبراً أن الإشكال المزمن بدأ عملياً منذ قرار المحكمة الاتحادية العليا (25/اتحادية/2010) الذي فتح الباب لتفسير مزدوج لـ“الكتلة الأكبر”: إما القائمة الفائزة في الانتخابات، أو التحالف الذي يتشكّل بعد إعلان النتائج داخل الجلسة الأولى للبرلمان.
وبينما قدّم القرار المذكور مرونةً سياسية في لحظته، يرى زيدان أن نتائجه العملية أفرزت كلفة دستورية وسياسية كبيرة، أبرزها المساس بإرادة الناخب عبر إمكان “إعادة ترتيب” موازين القوة بعد صناديق الاقتراع، وتكريس عدم الاستقرار بإطالة أمد التفاوض على الحكومات، ما جعل مفهوم “الكتلة الأكبر” محور صراع متكرر في كل استحقاق انتخابي تقريباً.
ولم يكتفِ زيدان بالتشخيص، بل طرح ثلاثة مسارات للمعالجة: تعديل دستوري صريح يحسم المقصود بالكتلة الأكبر بمعيار القائمة الفائزة انتخابياً، أو تعديل قانون مجلس النواب بما يفرض تسجيل الكتلة الأكبر رسمياً في الجلسة الأولى ومنع تغيير الصفة لاحقاً، أو أن تعيد المحكمة الاتحادية النظر في تفسيرها السابق وتتبنى تفسيراً “مقيّداً” يربط الكتلة الأكبر بنتائج الانتخابات لا بتحالفات لاحقة مفتوحة.
ويأتي طرح زيدان في لحظة سياسية شديدة الحساسية، مع تداول تقارير عن حراك داخل “الإطار التنسيقي” بشأن مرشح رئاسة الحكومة، بينها أحاديث عن الدفع باتجاه ترشيح محمد شياع السوداني بديلاً عن نوري المالكي، مقابل تمسك الأخير بالترشح وفق ما نقلته مصادر سياسية.
وتزامن تصاعد السجال مع زيارة المبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد ولقائه السوداني والمالكي في اجتماعين منفصلين، في وقت تتحدث فيه تغطيات إعلامية عن رسائل أميركية تتصل بمسار الاستقرار الإقليمي واحتمالات الضغط عبر أدوات اقتصادية أو عقوبات. غير أن ربط هذه الزيارة مباشرةً بمقالة زيدان أو بتوجه قضائي محدد يبقى – وفق المعطيات العلنية المتاحة – في نطاق التحليل السياسي لا المعلومة المؤكدة، لغياب تصريح رسمي يثبت علاقة سببية بين الحدثين.
وبين القراءة القانونية الخالصة والارتدادات السياسية المتوقعة، يضع طرح زيدان النظام السياسي أمام سؤالين متلازمين: هل يتجه العراق إلى “تحصين” مسار تشكيل الحكومة بنصوص أكثر حسماً تقلل مساحة المناورة بعد الانتخابات؟ أم يستمر الجدل محكوماً بتوازنات اللحظة، مع بقاء مفهوم “الكتلة الأكبر” ساحة صراع تُعاد فتحها مع كل دورة انتخابية؟



