
علي الزيدي يسير على خطى المالكي ويعيد تشكيل القيادة العامة للقوات المسلحة
المستقلة/- أثارت معلومات عن إعادة تشكيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة في حكومة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي مخاوف سياسية وقانونية من استعادة نموذج أمني ارتبط خلال عهد نوري المالكي بتجاوز المؤسسات العسكرية الرسمية، وازدواجية الأوامر، وشكاوى من الاعتقالات التعسفية والسجون السرية.
وقال مصدر سياسي مطلع لـ«المستقلة» إن تكليف وزير الداخلية السابق الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري بإدارة المكتب، وتداول اسم الفريق الركن جبار نعيمة لمنصب أمين سره، يعيدان إلى الأذهان تشكيلًا ألغي بعد عام 2014، عقب انتقادات واسعة لدوره في تركيز القرار العسكري والأمني داخل مكتب رئيس الوزراء.
وأضاف المصدر أن الاعتراض لا يتعلق بالأشخاص المرشحين، بل بالسند القانوني للمكتب وصلاحياته وعلاقته بوزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة أركان الجيش وقيادة العمليات المشتركة، محذرًا من أن منحه سلطات تنفيذية قد يؤدي إلى إنشاء قيادة موازية تتجاوز المؤسسات التي حددت القوانين اختصاصاتها.
وينص الدستور على أن رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، لكنه لا ينص صراحة على إنشاء مكتب عسكري يمتلك سلسلة قيادة مستقلة. ولذلك لا تعدّ إقامة مكتب استشاري أو تنسيقي مخالفة دستورية بذاتها، إلا أن الإشكال يبدأ إذا أصدر أوامر مباشرة إلى القطعات أو أشرف على أجهزة أمنية وعمليات اعتقال وتحقيق خارج الأطر القانونية.
وكان مكتب القائد العام قد ظهر خلال حكومة المالكي بوصفه جهة للتنسيق وتقديم المشورة، قبل أن تتوسع صلاحياته تدريجيًا، وفق تقارير ودراسات تناولت تلك المرحلة، ليصبح حلقة مباشرة بين رئيس الوزراء وقيادات العمليات والوحدات العسكرية.
وأثار ذلك انتقادات بشأن تجاوز وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الأركان، وتعدد مصادر الأوامر، وربط تشكيلات أمنية وعسكرية بمكتب رئيس الوزراء بدل التسلسل القيادي الرسمي.
كما ارتبط اسم المكتب في الذاكرة العراقية بتقارير حقوقية عن مراكز احتجاز خاضعة لقوات مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء، تحدثت عن احتجاز أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي، وشكاوى من التعذيب وانتزاع الاعترافات، واستخدام معلومات «المخبر السري» في تنفيذ اعتقالات واسعة.
ولم تصدر أحكام قضائية تثبت مسؤولية جميع العاملين في المكتب عن تلك الانتهاكات، إلا أن التقارير أثارت جدلًا واسعًا بشأن غياب الرقابة القانونية والبرلمانية على بعض الأجهزة التابعة للقائد العام.
وظهر المكتب كذلك ضمن الجدل الذي أعقب سقوط الموصل بيد تنظيم «داعش» عام 2014، بعدما انتقد تقرير برلماني ضعف التنسيق وصدور توجيهات مباشرة إلى القادة بعيدًا عن سلسلة المراجع العسكرية. وبعد توليه رئاسة الحكومة، ألغى حيدر العبادي المكتب ضمن إجراءات إعادة هيكلة القيادة الأمنية والعسكرية.
وقال المصدر إن إعادة تشكيل المكتب اليوم تتطلب من حكومة الزيدي نشر الأمر الرسمي الذي أنشأه، وتحديد هيكله وصلاحياته وموازنته والجهات التي ترتبط به، وبيان ما إذا كان دوره استشاريًا أم تنفيذيًا.
كما دعا إلى توضيح ما إذا كان مدير المكتب يستطيع إصدار أوامر إلى وزيري الدفاع والداخلية أو رئيس أركان الجيش وقادة العمليات، وما إذا كانت له سلطة على أجهزة الاستخبارات أو وحدات الاعتقال والتحقيق.
ولا يمكن الجزم بعدم دستورية التعيينات قبل الاطلاع على الأوامر الرسمية وطبيعة المناصب والدرجات الممنوحة، لكن غياب الشفافية يعزز المخاوف من تكرار تجربة قامت على تركيز القرار الأمني في دائرة ضيقة حول رئيس الوزراء.
وتضع الخطوة الزيدي أمام اختبار مبكر: إما أن يكون المكتب إطارًا محدودًا لتنسيق المعلومات والقرارات بين المؤسسات، وإما أن يتحول إلى مركز قيادة موازٍ يلغي عمليًا دور الوزارات ورئاسة الأركان.
وبعد تجربة المالكي وما رافقها من انتقادات وانتهاكات وانهيار في سلسلة القيادة، يبقى السؤال الأساسي: هل سيمارس القائد العام صلاحياته من خلال مؤسسات الدولة، أم يعيد بناء مكتب يرتبط به شخصيًا ويتقدم على المؤسسات العسكرية والأمنية الدستورية؟





