
طعن رئيس مجلس القضاء الذي حوّل الادعاء العام من محقق في قضايا الفساد إلى مراقب
المستقلة/- كشفت حملة «صولة الفجر» لمكافحة الفساد عن اتساع شبهات الاعتداء على المال العام وتشابكها مع مسؤولين ونواب وشبكات نفوذ، ما أثار صدمة لدى العراقيين ليس بسبب عدد المتهمين فحسب، بل بسبب حجم الأموال المتداولة وطبيعة المناصب التي يُشتبه في استغلالها، مع بقاء جميع المشمولين أبرياء قانونًا إلى حين صدور أحكام قضائية باتة.
لكن الحملة أعادت طرح سؤال يتجاوز أسماء المتهمين: كيف تمكن هذا النوع من الفساد من التوسع لسنوات، بينما يمتلك العراق هيئة للنزاهة وديوانًا للرقابة المالية ومحاكم مختصة وجهازًا دستوريًا للادعاء العام؟
ويعيد البحث عن الإجابة إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 112/اتحادية/2021، الصادر في التاسع من تشرين الثاني 2021، بناءً على دعوى أقامها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إضافة إلى وظيفته، وطعن فيها بعدد من مواد قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017.
وانتهت الدعوى بإلغاء النص الذي كان يمنح الادعاء العام صلاحية التحقيق المباشر في جرائم الفساد المالي والإداري والجرائم المخلة بواجبات الوظيفة، فضلًا عن إلغاء دائرة المدعي العام الإداري والمالي وقضايا المال العام، ومكاتب الادعاء العام داخل الوزارات والهيئات المستقلة.
وبذلك فقد الجهاز ثلاث أدوات مترابطة: سلطة التحقيق، والتشكيل المتخصص بالمال العام، والوجود المباشر داخل المؤسسات الحكومية التي تنشأ فيها العقود والمخالفات والقرارات المالية.
وكان قانون 2017 قد منح الادعاء العام صلاحيات واسعة، من بينها إقامة دعاوى الفساد ومتابعتها، ومراقبة التحريات وجمع الأدلة، والتحقيق في الجرائم الوظيفية. وبموجب هذا التصور، لم يكن الجهاز مجرد جهة تحضر التحقيقات وتقدم الآراء والطعون، بل كان مؤهلًا للمبادرة والتحرك عند ظهور شبهة فساد.
وتكتسب القضية أهمية أكبر لأنها جاءت بعد إلغاء مكاتب المفتشين العموميين عام 2019، وهي أجهزة كانت تعمل داخل الوزارات، وتجري التحقيقات الإدارية، وتوثق المخالفات، وتحيل الملفات إلى هيئة النزاهة والجهات القضائية، رغم الانتقادات التي وجهت إلى أدائها وتبعيتها للوزراء. وأحال قانون الإلغاء وثائقها وملفاتها إلى هيئة النزاهة.
وبعد يوم واحد من تصويت مجلس النواب على الإلغاء، أعلن مجلس القضاء الأعلى أن زيدان كلف الادعاء العام بمهام تفتيشية في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، بالتنسيق مع هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والدوائر القانونية، لتشخيص مخالفات القانون وعرضها على محاكم التحقيق المختصة.
غير أن زيدان عاد بعد ذلك بعامين وطعن بالنصوص التي كانت تمنح الادعاء العام أدوات التحقيق والوجود داخل الوزارات، لتنتهي الدعوى بإبطالها من دون إعلان بديل مؤسسي يؤدي الوظائف الرقابية والتحقيقية نفسها.
ولم يُلغ القرار دور الادعاء العام بالكامل؛ فما زال يستطيع إقامة دعاوى الفساد، ومراقبة التحريات، وحضور التحقيق، وتقديم الطلبات والطعون. لكنه لم يعد يملك التحقيق المباشر أو جهازًا متخصصًا يجمع الأدلة ويتعقب الأموال، وأصبح يعتمد في ذلك على قاضي التحقيق ومحققي هيئة النزاهة والشرطة والجهات الإدارية.
وقد يستند الدفاع عن الطعن إلى ضرورة حماية اختصاص قاضي التحقيق والفصل بين جهة التحقيق وجهة الاتهام، ومنع التداخل بين الادعاء العام وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية. وكانت مقالات قانونية منشورة على موقع مجلس القضاء قد أثارت هذه الاعتراضات قبل صدور القانون.
لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا أُلغيت الأدوات بالكامل بدل إعادة تنظيمها؟ ولماذا لم يُطرح تشريع بديل يحفظ اختصاص قاضي التحقيق، ويمنح الادعاء العام في الوقت نفسه وحدة متخصصة بالتحري المالي وتوثيق المخالفات ومتابعة الأموال العامة؟
وذهب قاضٍ عراقي، في مقال نشره مجلس القضاء عام 2022، إلى أن إلغاء مكاتب المفتشين من دون إيجاد جهاز محايد ومستقل للتحقيق الإداري فتح الباب أمام جرائم الفساد داخل الوزارات، خصوصًا عندما يكون المسؤول الذي يشكل لجان التحقيق طرفًا في المخالفة أو قادرًا على التأثير فيها.
ولا يمكن تحميل إلغاء المفتشين وطعن 2021 وحدهما مسؤولية انتشار الفساد من دون بيانات دقيقة، لكن تتابع القرارين خلق فجوة رقابية تستوجب من مجلس القضاء كشف عدد قضايا الفساد التي حركها الادعاء العام قبل القرار وبعده، وبيان الجهة التي عوضت غياب التحقيق المباشر والمكاتب الموجودة داخل الوزارات.
وبات مجلس القضاء مطالبًا بإصلاح تشريعي يعيد للادعاء العام استقلاله الوظيفي، ويمنحه وحدات متخصصة بالمال العام وتتبع الأصول، مع إبقاء أوامر التوقيف والإجراءات المقيدة للحريات بيد قاضي التحقيق.
فالسؤال الذي أثارته «صولة الفجر» لم يعد فقط: من سرق المال العام؟ بل أيضًا: أين كانت مؤسسات الدولة عندما كان الفساد يتشكل ويتوسع، ولماذا جرى تحويل أحد أهم أجهزتها من محقق قادر على المبادرة إلى مراقب ينتظر أن تصل إليه الملفات؟





