صدمة هرمز تضرب اقتصاد العراق.. البنك الأوروبي يتوقع انكماشاً حاداً خلال 2026

المستقلة/- دخل الاقتصاد العراقي دائرة واحدة من أشد التوقعات الاقتصادية تشاؤماً خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشف البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عن تراجع حاد في آفاق النمو، في ظل انهيار صادرات النفط المرتبط بإغلاق مضيق هرمز واستمرار الاضطرابات الإقليمية.

وبحسب وكالة رويترز، توقع البنك انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 12% خلال عام 2026، وهو من أكبر التخفيضات التي أجراها على توقعاته بين الاقتصادات التي يغطيها، بالتزامن مع تعرض لبنان وأوكرانيا أيضاً لضغوط مرتبطة بالصراعات العسكرية.

ويأتي التحذير ضمن تقرير التوقعات الاقتصادية الإقليمية الجديد للبنك الأوروبي، الصادر الخميس 24 أيلول/سبتمبر، والذي خفض توقعاته للنمو في الاقتصادات التي يعمل فيها إلى 2.5% خلال 2026، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن توقعات يونيو/حزيران، قبل توقع تعافٍ إلى 4% خلال 2027.

العراق وراء جزء كبير من خفض التوقعات

ولفت البنك إلى أن التخفيض الكبير في توقعات النمو الإجمالية يعود بدرجة مهمة إلى ما وصفه بـالركود العميق في العراق بعد انهيار صادراته النفطية.

وأوضح التقرير أن استبعاد العراق من الحساب يخفض حجم المراجعة السلبية لتوقعات 2026 إلى 0.1 نقطة مئوية فقط، ما يكشف حجم تأثير الأزمة العراقية في الأرقام الإجمالية للمؤسسة.

وتكمن المشكلة الأساسية في الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على النفط، سواء في الصادرات أو في تمويل الإيرادات الحكومية، وهو ما يجعل أي تعطّل واسع ومستمر في حركة الخام يتحول سريعاً من أزمة في قطاع الطاقة إلى ضغط مباشر على المالية العامة والنشاط الاقتصادي.

وكان البنك قد أشار في تقييماته للعراق إلى أن النفط يمثل أكثر من 90% من الصادرات والإيرادات الحكومية، وأن البلاد لم تتمكن بعد إغلاق مضيق هرمز إلا من إعادة توجيه جزء محدود من صادراتها عبر مسارات بديلة.

هرمز يحول ارتفاع النفط إلى أزمة للعراق

وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يفيد الدول المصدرة عادة، فإن المعادلة العراقية تصبح مختلفة عندما تكون القدرة على إيصال الخام إلى الأسواق محدودة.

ويشير تقرير البنك الأوروبي إلى أن أسعار النفط ارتفعت من نحو 65 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط إلى أكثر من 100 دولار بحلول أبريل/نيسان 2026، بعدما انخفضت صادرات الخام المنقولة بحراً من المنطقة إلى نحو النصف.

وبذلك يواجه العراق مفارقة اقتصادية واضحة: أسعار نفط مرتفعة عالمياً، لكن الاستفادة المالية منها تبقى مرتبطة بقدرة البلاد على تصدير الكميات المطلوبة والوصول إلى المشترين.

وكلما طال اضطراب هرمز، ازدادت الضغوط على تدفقات الإيرادات النفطية التي تعتمد عليها الموازنة العراقية في تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والاستثمارات الحكومية.

الاقتصاد الإقليمي تحت الضغط

ولا تقتصر الأزمة على العراق، إذ توقع البنك أن يسجل إقليم جنوب وشرق المتوسط الذي يغطيه انكماشاً بنسبة 0.7% خلال 2026، قبل قفزة متوقعة إلى نمو قدره 7.1% في 2027، مدفوعة بصورة أساسية بافتراض عودة صادرات النفط العراقية إلى طبيعتها.

أما عند استبعاد العراق، فيتوقع البنك نمو المنطقة بنسبة 3.9% هذا العام و4.3% في 2027، ما يعكس مجدداً الوزن الكبير للاقتصاد العراقي في التوقعات الإقليمية.

كما بقي لبنان في حالة ركود بسبب التصعيد العسكري والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، فيما جرى خفض توقعات تركيا نتيجة استمرار الضغوط التضخمية وتشديد شروط التمويل.

أزمة تتجاوز النفط

ويرصد التقرير مجموعة متزامنة من الضغوط على الاقتصاد العالمي والأسواق الناشئة، بينها ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وكلفة الاقتراض، إلى جانب الجفاف واضطراب طرق التجارة الدولية.

ووصل متوسط التضخم في اقتصادات البنك إلى نحو 6%، بينما تشكل الطاقة قرابة ربع التضخم الإجمالي، في حين أصبحت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل أكثر ارتفاعاً نتيجة الضغوط التضخمية وعجز الموازنات وزيادة الطلب على التمويل.

القمح يضيف خطراً جديداً

ولا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة، إذ ارتفعت أسعار القمح عالمياً بأكثر من الثلث، وسط اضطرابات في صادرات روسيا وأوكرانيا عبر البحر الأسود.

وتستحوذ روسيا وأوكرانيا معاً على نحو ربع صادرات القمح العالمية، ما يجعل استمرار الاضطرابات مصدراً إضافياً للتضخم وارتفاع تكاليف الغذاء، ولا سيما للدول المستوردة بصورة كبيرة للحبوب.

كما أدى انخفاض مناسيب المياه في نهري الدانوب والراين إلى التأثير في حركة الشحن وإنتاج الكهرباء، مع انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية والنووية في المناطق المتضررة بنحو الثلث، وفق تقرير البنك.

ماذا يعني الانكماش بالنسبة للعراق؟

إذا تحقق سيناريو الانكماش الحاد الذي نقلته رويترز عن البنك، فإن التأثير لن يقتصر على رقم الناتج المحلي الإجمالي، بل قد ينتقل إلى الإيرادات الحكومية والإنفاق الاستثماري والسيولة والنشاط التجاري والقدرة على تنفيذ المشروعات العامة.

غير أن هذه التوقعات تبقى مرتبطة إلى حد كبير بمسار الأزمة الإقليمية ومدة اضطراب صادرات النفط. ويشير البنك نفسه إلى أن التعافي المتوقع في 2027 يعتمد بصورة أساسية على عودة شحنات النفط العراقية إلى مستويات أكثر طبيعية.

وبذلك يصبح مضيق هرمز عاملاً حاسماً في المسار الاقتصادي العراقي خلال المرحلة المقبلة؛ فاستعادة التصدير يمكن أن تحول ارتفاع أسعار الخام إلى إيرادات إضافية، في حين أن استمرار القيود على الشحن قد يبقي الاقتصاد أمام خسائر كبيرة رغم بقاء الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى