حين يجف دجلة والفرات.. الزراعة العراقية أمام اختبار مصيري

المستقلة/-في واحدة من أخطر التحديات التي يواجهها العراق منذ عقود، تفرض أزمة المياه المتفاقمة واقعاً جديداً على الأمن الغذائي في البلاد، وسط تراجع حاد في مناسيب نهري دجلة والفرات، وانخفاض غير مسبوق في الإيرادات المائية، ما انعكس بشكل مباشر على الخطط الزراعية للموسم الشتوي 2025–2026، وأعاد ملف الزراعة إلى واجهة القلق الاقتصادي والاجتماعي.

وتأتي هذه الأزمة نتيجة عوامل متداخلة، أبرزها التغيرات المناخية، وتراجع معدلات الأمطار، إضافة إلى انخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، ولا سيما تركيا، الأمر الذي دفع الحكومة العراقية إلى إعادة صياغة سياساتها الزراعية، وتقليص المساحات المزروعة، والتوجه نحو فرض تقنيات الري الحديثة كخيار اضطراري للحفاظ على الموارد المائية وضمان الحد الأدنى من استدامة الإنتاج.

ويؤكد مسؤولون في وزارة الزراعة أن الخطة الزراعية الشتوية الحالية أُقرت على مرحلتين، في محاولة للتكيف مع الواقع المائي الصعب. وشملت المرحلة الأولى زراعة مساحات واسعة في الأراضي الصحراوية باستخدام منظومات الري الحديثة والاعتماد على المياه الجوفية، بينما خُصصت المرحلة الثانية لمساحات أقل في المناطق المروية، مع السماح المؤقت باستخدام الري التقليدي بسبب محدودية امتلاك الفلاحين لتقنيات الري الحديثة.

ويرى مختصون أن التحول نحو الري بالتنقيط والمرشات الثابتة والمحورية لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة ملحة، خاصة أن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 70% من المياه المتاحة في العراق. ويشيرون إلى أن تجارب حديثة أظهرت نتائج إيجابية، من حيث تقليل عدد الريات وزيادة الإنتاجية، لا سيما في محاصيل استراتيجية مثل الحنطة والشعير والرز.

ورغم الخطط الحكومية، يبقى الواقع الميداني أكثر قسوة. ففي القرى والأرياف، يواجه الفلاحون شح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الدعم، ما دفع كثيرين إلى تقليص زراعاتهم أو هجر أراضيهم، في مشهد ينذر بتداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة، أبرزها الهجرة من الريف إلى المدن وتراجع الاكتفاء الذاتي الغذائي.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار تراجع الرقعة الزراعية سيزيد اعتماد العراق على الاستيراد، ويعرضه لصدمات الأسواق العالمية وتقلبات الأسعار، كما حدث خلال الأزمات الدولية الأخيرة. كما يؤكد مختصون زراعيون أن إهمال هذا القطاع يفتح الباب أمام التصحر، وارتفاع البطالة والفقر في المناطق الريفية.

تابع وكالة الصحافة المستقلة على الفيسبوك .. اضغط هنا

وبينما تتصاعد التحذيرات، يبقى مستقبل الأمن الغذائي في العراق مرهوناً بقدرته على إدارة ملف المياه، وتحديث القطاع الزراعي، ودعم الفلاحين، في سباق مع الزمن لتفادي أزمة قد تمتد آثارها إلى كل بيت عراقي.

زر الذهاب إلى الأعلى