“حصر السلاح” بيد الدولة: إعلان فضفاض وسط معارضة صريحة من فصائل نافذة

المستقلة/- أثار إعلان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، القاضي فائق زيدان، عن “استجابة بعض الفصائل المسلحة” لدعوته حصر السلاح بيد الدولة، موجة من التساؤلات حول مدى جدية هذا التحول، وسط غياب واضح لأي مؤشرات تنفيذية أو خطة زمنية معلنة.

وقال زيدان، في بيان صدر عن مكتبه، إن قادة “بعض الفصائل المسلحة” استجابوا لنصيحته المتعلقة بفرض سيادة القانون والانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري. لكن البيان لم يتضمن أي تفاصيل بشأن كيفية التنفيذ، أو هوية الفصائل المعنية، أو الجهة المسؤولة عن الإشراف على العملية.

ورغم أن الخطاب الرسمي قدم هذه التصريحات على أنها خطوة إيجابية باتجاه التهدئة، إلا أن غياب المعايير الإجرائية — كآلية الجرد، تحديد المخازن، أو تشكيل لجان استلام — يثير شكوكاً عميقة بشأن ما إذا كان هذا التعهد يمثل بداية فعلية لنزع السلاح، أم أنه مجرد رسالة سياسية ظرفية.

على الطرف المؤيد، تحدثت تقارير محلية عن موافقة عدة فصائل على مبدأ حصر السلاح، من بينها كتائب الإمام علي، عصائب أهل الحق، أنصار الله الأوفياء، وكتائب سيد الشهداء. لكن هذه الموافقة لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات على الأرض، ولا إلى بيانات توضيحية من قبل هذه الفصائل توضح موقفها بصيغة رسمية.

في المقابل، جاء موقف كتائب حزب الله أكثر وضوحًا وصرامة. فقد رفضت الكتائب فكرة تسليم السلاح، واشترطت انسحاب جميع القوات الأجنبية، بما فيها قوات التحالف والناتو والجيش التركي. وقالت في بيان إن “المقاومة حق وسلاحها باق”، معتبرة أن الحديث عن نزع السلاح “لن يُطرح قبل انتهاء الوجود العسكري الأجنبي”.

وتعكس هذه المواقف تباينًا داخليًا واضحًا بين الفصائل المسلحة، إذ تحدثت مصادر إعلامية عن انقسام متزايد داخل ما يُعرف بـ”فصائل المقاومة”، وتداول أنباء عن اجتماع مرتقب لتوحيد الموقف حيال القضية، في وقت لم يصدر فيه أي تعليق رسمي من الحشد الشعبي، الجهة التي تُعتبر مظلة لبعض هذه الفصائل.

وبينما يحاول الخطاب الرسمي الدفع باتجاه التهدئة واحتواء الضغوط الدولية، يرى مراقبون أن ما يحدث حتى الآن لا يتعدى كونه “إشارات لفظية” لا ترقى إلى مستوى التغيير البنيوي. ويؤكد هؤلاء أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن الحديث عن “حصر السلاح” غالبًا ما يُستخدم كورقة سياسية مؤقتة، سرعان ما تتلاشى أمام غياب الإرادة أو التعقيدات الإقليمية.

وقال مصدر مطلع على قنوات تواصل رسمية مع بعض قادة الفصائل لـ”المستقلة”، إن “الخطاب الحالي يركز على خفض التوتر، لكن لا وجود لمؤشرات عملية على بدء الجرد أو التسليم”، مضيفًا: “المسألة لا تتعلق فقط بالنية، بل بوجود آلية قابلة للتنفيذ، وهذا ما لا نراه حتى الآن”.

وبالنسبة لمراقبين في بغداد، فإن ما يزيد من تعقيد المشهد هو الربط العلني الذي أجراه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بين نزع السلاح وانسحاب قوات التحالف الدولي، وهو انسحاب يُفترض أن يكتمل في سبتمبر/أيلول 2026، بحسب تصريحات سابقة من السوداني نقلتها وسائل إعلام محلية.

هذا الربط يمنح الفصائل الرافضة أداة ضغط واضحة، إذ يمكنها التذرّع ببقاء القوات الأجنبية لتأجيل أي التزام. كما أن بعض الفصائل تعتبر وجود السلاح جزءاً من “الردع الاستراتيجي” في ظل التوترات الإقليمية، خصوصًا بعد التصعيد الأخير في جبهات غزة واليمن وسوريا.

ويرى محللون أن أي تعهد فعلي لاكتساب مصداقية يجب أن يترافق مع خطوات واضحة مثل: تشكيل لجنة رسمية للتدقيق، إعلان مراحل زمنية، تمييز سلاح الحشد الرسمي عن سلاح الفصائل الخارجة عن التسلسل، وتطبيق إجراءات قانونية بحق من يرفض الالتزام.

بدون هذه الإجراءات، ستظل تصريحات “التسليم” في الإطار السياسي والإعلامي، لا في دائرة التغيير العملي. بل إن الغموض المحيط بالتصريحات الحالية قد يعمّق الانقسام بين الفصائل، ويجعل من الصعب على الحكومة فرض سيناريو موحّد.

وقال مصدر سياسي مشارك في مشاورات ما بعد الانتخابات إن “الخطاب العام لا يعكس تحولًا عقائدياً بقدر ما هو محاولة لكسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي”، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل “تراهن على الحكومة المقبلة وتستخدم ملف السلاح كورقة تفاوض لا كتعهد ثابت”.

في المجمل، يبدو أن ملف نزع السلاح ما زال عالقًا بين التصريحات المطمئنة، والتناقضات الميدانية. وما لم تُرفق هذه الوعود بخطوات ملموسة، فإنها ستظل في نظر الكثيرين تكرارًا لمواقف سابقة لم تتطور إلى نتائج واقعية.

زر الذهاب إلى الأعلى