مصادر: معظم حوالات العراق تمر عبر البنوك الأردنية.. أين دور البنك المركزي؟

المستقلة/- في الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة الثقة بالقطاع المصرفي العراقي، أفادت مصادر مصرفية بأن الجزء الأكبر من الحوالات الخارجية الخاصة بالعراق بات يمر عبر بنوك أردنية، في مؤشر يعكس اختلالاً بنيوياً في منظومة التحويل الخارجي وتراجع دور المصارف العراقية في واحدة من أهم وظائفها الأساسية.
وتحمّل مصادر مصرفية البنك المركزي العراقي جانباً أساسياً من المسؤولية عن هذا المسار، معتبرة أن سياسات الرقابة والإصلاح التي انتهجها خلال السنوات الماضية لم تُترجم إلى إعادة تأهيل حقيقية للمصارف المحلية أو إلى بناء شبكة مراسلين دولية فعّالة، ما دفع القطاع تدريجياً إلى الاعتماد على قنوات خارجية لتنفيذ التحويلات، بدلا من استعادة الثقة الدولية بالمؤسسات المصرفية العراقية.

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ”المستقلة”، فإن الاعتماد المتزايد على البنوك الأردنية لم يعد تفصيلاً فنياً مرتبطاً بإدارة المخاطر فقط، بل تحول عملياً إلى مسار شبه إلزامي لتنفيذ الحوالات، على خلفية ضعف قبول عدد من المصارف العراقية لدى البنوك الدولية، وارتفاع متطلبات الامتثال المرتبطة بالعراق، وتراكم ملفات العقوبات والتحفظات على مصارف محلية. وتقول المصادر إن هذا الواقع حوّل البنوك الأردنية إلى “بوابة” رئيسية لعبور التحويلات العراقية إلى الخارج، مع ما يرافق ذلك من تكاليف إضافية واشتراطات أكثر تشدداً.

وتثير هذه المعطيات أسئلة داخل الأوساط المصرفية عن طبيعة الدور الذي يؤديه البنك المركزي العراقي في إدارة ملف الحوالات الخارجية، إذ ترى المصادر أن منظومة التحويل باتت تعتمد بصورة غير مباشرة على شبكة مراسلين إقليمية خارج العراق، بدلاً من توسيع قدرة المصارف المحلية على بناء علاقات مراسلة مستقلة. ووفق توصيف المصادر، فإن المصرف العراقي في حالات عديدة بات يؤدي دور “الوسيط الداخلي” في إجراءات التحويل، بينما يتم التنفيذ الفعلي عبر بنوك مراسلة خارجية، ما يضعف قدرة القطاع المصرفي المحلي على استعادة موقعه في التعاملات العابرة للحدود.

وتوضح المصادر أن عدداً كبيراً من المصارف العراقية يواجه صعوبات حقيقية في الحصول على قنوات فاعلة للتحويل الخارجي، رغم امتلاكه رخصاً مصرفية داخل العراق، بسبب فجوات في متطلبات الامتثال الدولي، وضعف أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى ملاحظات سابقة من جهات رقابية أو بنوك مراسلة بشأن آليات العمل والتدقيق. وتضيف أن هذه العوامل ترفع من تصنيف المخاطر، وتدفع بعض المؤسسات الخارجية إلى تشديد الرقابة أو تقليص التعامل أو الإحجام عنه.

وفي تطور أكثر حساسية، تشير المصادر إلى أن أكثر من ثلاثين مصرفاً عراقياً يخضع لقيود متفاوتة تتعلق بالتعامل بالدولار أو الوصول إلى نافذة التحويل الخارجي، أو العمل ضمن شروط مشددة للغاية، مرجحة أن تتوسع دائرة القيود إذا لم تتحقق إصلاحات ملموسة في منظومة الامتثال والحوكمة المصرفية. وتلفت إلى أن استمرار هذا الاتجاه يعني تضييقاً إضافياً على حركة الأموال والتجارة، وزيادة اعتماد السوق على قنوات غير مباشرة لتنفيذ التحويلات.

وترى المصادر أن اتساع القيود لا ينفصل عن بطء الإصلاحات الموعودة داخل القطاع المصرفي، سواء في إعادة هيكلة المصارف المتعثرة، أو إطلاق خطط دمج حقيقية للمصارف الصغيرة الضعيفة، أو سد الفجوة بين تعليمات البنك المركزي والتطبيق العملي داخل المؤسسات المصرفية. وبحسب هذه القراءة، فإن غياب التقدم السريع في هذه الملفات يدفع الجهات الخارجية إلى مزيد من التشدد، ويوسع دائرة التحفظات، ويقود تدريجياً إلى تراجع الثقة بالبنوك العراقية بوصفها شريكاً مالياً قابلاً للاعتماد.

وتحذر أوساط مصرفية من أن المرحلة المقبلة قد تتجه إلى أحد مسارين: الأول زيادة عدد المصارف الخاضعة للقيود والعقوبات، والثاني الذهاب إلى دمج أو تصفية عدد من المصارف الصغيرة والمتعثرة التي لم تعد قادرة على تلبية متطلبات النظام المالي الدولي. وتقول هذه الأوساط إن أي مسار من هذين سيترك أثراً مباشراً على بنية السوق المصرفية العراقية، وعلى قدرة القطاع الخاص على إجراء التحويلات والاستيراد بشكل طبيعي.

وفي مقابل تراجع قدرة المصارف العراقية على الحركة الخارجية، تشير المصادر إلى أن المستفيد المباشر من هذا الواقع هو البنوك الأردنية وشبكات المراسلين الإقليميين، بعدما تحولت إلى لاعب رئيسي في سوق التحويلات العراقية، بما يتضمنه ذلك من عمولات وكلف أعلى وتحكم أكبر بمسار الأموال، مقابل تقليص استقلالية القرار المصرفي العراقي في إدارة تدفقاته الخارجية.

وتخلص المصادر إلى أن ما يجري لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمة تقنية في الحوالات فقط، بل بوصفه أزمة ثقة وسيادة مالية ومصرفية. فحين تمر غالبية التحويلات العراقية عبر بوابات خارج الحدود، وحين تتسع دائرة المصارف المحرومة من التعامل بالدولار أو التحويل الخارجي، يصبح السؤال الأبرز في عام 2026: هل يستطيع العراق إعادة تأهيل منظومته المصرفية لاستعادة دورها دولياً، أم أن الاعتماد على مصارف دول الجوار سيتحول إلى قاعدة ثابتة في إدارة التحويلات والتجارة؟

زر الذهاب إلى الأعلى