النفط يتجاوز 110 دولارات.. ماذا يكسب العراق؟

المستقلة/- سجلت أسعار النفط العالمية ارتفاعاً جديداً خلال تعاملات الخميس، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والمخاوف المتزايدة بشأن استقرار إمدادات الطاقة، فيما شهد خاما البصرة المتوسط والثقيل ارتفاعاً محدوداً، في تطور يعيد ملف الإيرادات النفطية العراقية إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بالتزامن مع تأخر إرسال مشروع الموازنة الاتحادية لعام 2027 إلى مجلس النواب.

وبحسب بيانات الأسعار المتداولة، ارتفع خام البصرة المتوسط إلى 73.62 دولاراً للبرميل، بزيادة بلغت 27 سنتاً، ما يعادل 0.37%، فيما سجل خام البصرة الثقيل 69.62 دولاراً للبرميل، مرتفعاً بالمقدار نفسه وبنسبة 0.39%.

وعلى المستوى العالمي، صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 110.53 دولارات للبرميل، بزيادة 1.71 دولار، أو 1.57%، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 98.43 دولاراً للبرميل، بزيادة 1.28 دولار، أو 1.32%.

كما سجلت سلة نفوط منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» ارتفاعاً إلى 111.01 دولاراً للبرميل، بزيادة 2.39 دولار، أو ما يعادل 2.20%، في مؤشر على استمرار الضغوط التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

وتكشف هذه الأرقام عن تفاوت ملحوظ بين أسعار خامات البصرة والأسعار المرجعية العالمية، إذ يبلغ الفارق بين خام البصرة المتوسط وخام برنت نحو 36.91 دولاراً للبرميل، وفق الأسعار الواردة، وهو فارق يستدعي الانتباه إلى اختلاف طبيعة التسعير ومواعيد تسجيل الأسعار ونوعية الخام وشروط التعاقد.

ولا يمكن اعتبار هذا الفارق خصماً تجارياً فعلياً على صادرات العراق دون مقارنة أسعار الخامات للفترة المرجعية نفسها، والاطلاع على آليات التسعير المعتمدة في عقود البيع.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه أسواق النفط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات، نتيجة التوترات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وهي منطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة عالمياً.

وتزداد حساسية الأسواق تجاه أي تطورات قد تؤثر في حركة الناقلات النفطية أو طرق الشحن البحري أو منشآت الإنتاج والتصدير، ما يدفع المتعاملين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات، ويؤدي إلى تحركات سريعة في الأسعار.

وبالنسبة للعراق، تكتسب هذه الارتفاعات أهمية خاصة بالنظر إلى الاعتماد الكبير للموازنة العامة على الإيرادات النفطية، التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل النفقات الحكومية، بما فيها الرواتب والمشاريع الاستثمارية والخدمات الأساسية.

ومن الناحية المالية، فإن ارتفاع سعر بيع النفط العراقي بمقدار دولار واحد للبرميل يمكن أن يضيف نحو 30 مليون دولار شهرياً إلى الإيرادات الإجمالية، بافتراض تصدير مليون برميل يومياً طوال 30 يوماً، قبل احتساب التكاليف والاقتطاعات وأي عوامل تعاقدية أخرى.

وعليه، فإن الأثر المالي لأي ارتفاع في الأسعار يرتبط بحجم الصادرات الفعلية ومتوسط أسعار البيع المحققة، وليس فقط بمستويات الأسعار المسجلة في الأسواق العالمية.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الجدل بشأن مشروع موازنة العراق لعام 2027، بعد تجاوز الموعد القانوني المحدد لإرسال المشروع إلى مجلس النواب، وسط تساؤلات عن الافتراضات التي ستعتمدها الحكومة لتقدير أسعار النفط والإيرادات العامة والعجز المتوقع.

وقد تمنح الأسعار المرتفعة الحكومة هامشاً مالياً إضافياً إذا استمرت عند مستويات مناسبة وانعكست على أسعار بيع النفط العراقي، إلا أن الاعتماد على ارتفاعات مرتبطة بالتوترات الإقليمية ينطوي على مخاطر، نظراً لإمكانية تراجع الأسعار بصورة مفاجئة عند انحسار المخاوف بشأن الإمدادات.

ويرى التحليل الاقتصادي أن التحدي الرئيسي أمام السياسة المالية العراقية لا يتمثل في تحقيق إيرادات مرتفعة خلال فترات محدودة، بل في ضمان استدامة الموارد المالية وتوجيهها نحو تخفيض الضغوط على الإنفاق العام، وتعزيز الاحتياطيات المالية، وتمويل القطاعات الإنتاجية والخدمية.

كما أن ارتفاع الأسعار العالمية لا ينعكس بالضرورة بصورة فورية على الإيرادات الحكومية، بسبب اختلاف مواعيد التسعير والتحصيل، فضلاً عن التغيرات المحتملة في كميات الإنتاج والتصدير والالتزامات النفطية.

وفي ظل الضغوط التي تواجه الاقتصاد العراقي، بما فيها تقلبات سعر صرف الدينار وتزايد متطلبات الإنفاق الحكومي، فإن الاستفادة من تحسن الإيرادات النفطية تتطلب سياسة مالية حذرة تتجنب توسيع النفقات الدائمة استناداً إلى مكاسب سعرية قد تكون مؤقتة.

وتضع هذه المعطيات الحكومة العراقية أمام معادلة اقتصادية دقيقة، تتمثل في كيفية تحويل أي تحسن في عائدات النفط إلى استقرار مالي حقيقي، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الاحتياجات الآنية للإنفاق.

وفي المحصلة، فإن صعود خام برنت فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، بالتزامن مع الارتفاع المحدود لخامي البصرة، يعكس حالة التباين التي تشهدها أسواق الطاقة، ويؤكد أهمية اعتماد تقديرات محافظة وواقعية عند إعداد موازنة 2027، بما يحمي المالية العامة من تقلبات الأسواق ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

ويبقى السؤال الاقتصادي الأبرز: هل يستطيع العراق الاستفادة من موجة ارتفاع أسعار النفط لتعزيز استقراره المالي، أم أن استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية سيجعل الموازنة عرضة لتقلبات الأسواق والتوترات الإقليمية؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى