
النفط العراقي تحت الضغط.. بغداد تبحث عن بدائل عبر جيهان وبانياس والعقبة
المستقلة/- يواجه النفط العراقي في هذه المرحلة واحداً من أقسى اختباراته منذ سنوات، بعد أن أدى التصعيد العسكري في الخليج وإغلاق مضيق هرمز إلى شلّ الجزء الأكبر من صادرات الخام، ودفع بغداد إلى الانتقال من إدارة تدفقات تصدير مستقرة إلى البحث السريع عن مسارات بديلة تحفظ الحد الأدنى من الإيرادات وتمنع اختناق السوق المحلية. وفي ظل اعتماد العراق على النفط لتمويل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، تحولت الأزمة من ملف طاقة إلى تحدٍّ مالي واقتصادي مباشر.
وبحسب ما أعلنه وزير النفط حيان عبد الغني، فإن العراق كان ينتج نحو 4.4 ملايين برميل يومياً وفق الحصة المحددة له في أوبك، قبل أن تؤدي الحرب وإغلاق هرمز إلى توقف التصدير بعد أيام من اندلاع المواجهة في المنطقة. أما الإنتاج الحالي، فقد تراجع إلى ما بين 1.5 و1.6 مليون برميل يومياً، ويُخصص أساساً لتغطية احتياجات المصافي ومحطات الكهرباء، مع استمرار توفير المنتجات النفطية والغازية للسوق المحلية رغم توقف التصدير وتضرر الإيرادات النفطية. وتنسجم هذه التصريحات مع ما نقلته رويترز في 12 آذار/مارس عن إبقاء الإنتاج عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً فقط، أي أقل بكثير من المستويات السابقة للحرب.
وتكشف الأرقام المتداولة أن الضغط الأكبر وقع على حقول الجنوب ومسارات التصدير عبر الخليج. فقد أفادت رويترز بأن إنتاج الجنوب هبط بنحو 70% إلى حوالي 1.3 مليون برميل يومياً، مع توقف شبه كامل للتحميل من الموانئ الجنوبية بسبب تعذر المرور عبر هرمز. كما أشارت تقارير دولية إلى أن العراق أصبح من أكثر الدول تضرراً من الحرب الجارية على إيران، ليس فقط لأنه يعتمد على الخليج منفذاً رئيسياً لصادراته، بل أيضاً لأن الأزمة أصابت شريان اقتصاده الأساسي في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
في مواجهة هذا الاختناق، بدأت بغداد تتحرك على أكثر من محور لفتح منافذ بديلة. وزير النفط تحدث عن جهود لبدء تصدير كميات عبر ميناء جيهان التركي، إلى جانب مناقصات لتصدير النفط عبر ميناء بانياس في سوريا وخط العقبة في الأردن. كما تحدثت تقارير حديثة عن خطة لنقل نحو 200 ألف برميل يومياً براً عبر تركيا وسوريا والأردن، كحل إسعافي مؤقت إلى حين استعادة جزء من القدرة التصديرية عبر خطوط الأنابيب.
ويحتل مسار جيهان أهمية خاصة في الحسابات العراقية، لأنه يمثل الخيار الأسرع نسبياً لإعادة جزء من الخام إلى الأسواق. ووفق مضمون تصريحات الوزير، فإن خط الأنابيب العراقي التركي الخاص بنقل نفط كركوك، بطاقة تتراوح بين 200 و250 ألف برميل يومياً، يخضع حالياً للفحص والتأهيل النهائي، ولم يتبق سوى نحو 100 كيلومتر لإجراء الفحص الهيدروستاتيكي، وهو ما قد يتيح ضخ النفط مباشرة من حقول كركوك إلى الخط من دون المرور بإقليم كردستان. غير أن هذا المسار ما يزال يواجه عقدة سياسية، إذ أفادت رويترز اليوم بأن سلطات إقليم كردستان رفضت طلب بغداد استئناف الصادرات فوراً عبر خطها إلى جيهان، بسبب خلافات وشروط متبادلة ما تزال تعطل التفاهم النهائي.
أما خيار بانياس والعقبة، فيعكس سعي بغداد إلى تنويع المخارج وعدم ربط إنقاذ الصادرات بمسار واحد فقط. فالعقبة يحضر في الخلفية أيضاً عبر اتفاق إطار أقره العراق والأردن مطلع كانون الثاني/يناير 2026 لخط أنابيب البصرة–العقبة بطاقة قد تصل إلى مليون برميل يومياً مستقبلاً، وإن كان هذا المسار لا يزال مشروعاً استراتيجياً متوسط الأجل أكثر من كونه حلاً فورياً للأزمة الحالية. لذلك تبدو التحركات الراهنة أقرب إلى “خطة طوارئ متعددة المسارات” تجمع بين النقل البري المؤقت، والسعي إلى تفعيل جيهان، وفتح نافذة محتملة عبر بانياس، بانتظار انكشاف المشهد الإقليمي.
وفي المحصلة، فإن النفط العراقي بات تحت ضغط مركب: تصدير متوقف عبر المنفذ الجنوبي الأهم، إنتاج متراجع إلى حدود تغطي الداخل أكثر مما تغذي التصدير، وإيرادات مهددة في بلد يقوم إنفاقه العام على الخام. ولهذا تبدو بغداد اليوم في سباق مع الوقت لفتح بدائل عبر جيهان وبانياس والعقبة، ليس فقط لإنقاذ الصادرات، بل لحماية المالية العامة من صدمة قد تصبح أعمق إذا طال أمد الحرب أو استمر إغلاق هرمز.





