القضاء يتساهل والسياسة تساوم.. عندما تصبح الخروقات الدستورية تقليدًا بلا جزاء

المستقلة/- في كل دورة انتخابية جديدة، تتكرر في العراق ظاهرة خرق التوقيتات الدستورية المتعلقة بانتقال السلطة، من دون أن تُقابل بأي ردع قانوني أو جزاء قضائي فعّال. وبينما تتذرّع القوى السياسية بالحاجة إلى “التوافق الوطني”، تُبقي مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء، موقفها الحذر من فرض النصوص الملزمة، ما يُكرّس واقعًا يجعل الخرق أقرب إلى قاعدة مستقرّة لا استثناء ظرفي.

وتشير متابعات سياسية وقانونية إلى أن تجاهل المدد الزمنية المحددة في الدستور العراقي، سواء في انعقاد البرلمان أو انتخاب رئيس الجمهورية أو تكليف رئيس الوزراء، بات نمطًا متكرّرًا، يحدث دون أثر قانوني واضح، ويُطرح كل مرة بوصفه نتيجة للظرف السياسي وليس إخلالًا بنص دستوري.

نصوص واضحة وتطبيق متذبذب

ينصّ الدستور العراقي على مهل محددة يجب احترامها عقب إعلان نتائج الانتخابات، تشمل دعوة البرلمان للانعقاد خلال 15 يومًا، وانتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه في الجلسة الأولى، ثم انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يومًا، تليه مهلة 15 يومًا لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.

ورغم وضوح هذه المدد، غالبًا ما يتم تجاوزها من دون أن يترتب على ذلك أي جزاء قانوني، وسط غياب تفسير حاسم من المحكمة الاتحادية لطبيعة هذه المدد، وما إذا كانت ملزمة بحكم النص أو تنظيمية فقط.

التوافق السياسي يتقدم على النص

تشير الوقائع السياسية إلى أن منهج التوافق بين الكتل السياسية في تشكيل الحكومات بات يتجاوز منطق الدستور. ويتم التعامل مع المدد الدستورية بوصفها “مرنة” يمكن تأجيلها إلى حين الوصول إلى تسويات شاملة تشمل تقاسم المناصب والحقائب والهيئات المستقلة.

ووفق محللين سياسيين، فإن المفاوضات لتشكيل الحكومة عادة ما تبدأ قبل استكمال انتخاب الرئاسات، وهو ما يعرقل الالتزام بالتسلسل الدستوري للخطوات، ويُطيل أمد الفراغ المؤسسي دون محاسبة.

صمت قضائي يثير التساؤلات

رغم أن المحكمة الاتحادية العليا تملك صلاحيات تفسير الدستور وإصدار قرارات ملزمة، إلا أنها لم تُصدر حتى الآن تفسيرًا واضحًا لطبيعة المدد الزمنية المذكورة في الدستور، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات سياسية تضعف من إلزاميتها.

ويشير خبراء قانونيون إلى أن بعض المواد الدستورية، ورغم تضمنها آجالًا دقيقة، لا تقترن بعقوبات صريحة في حال تجاوزها، وهو ما جعل السلطة القضائية تتجنّب التدخل المباشر، تحت ذرائع تتعلق بتجنب الفراغ أو الحفاظ على الاستقرار.

بداية الدورة النيابية.. لحظة التعطيل

عادة ما تظهر خروقات المدد الدستورية في الأسابيع الأولى من الدورة البرلمانية الجديدة، حيث تتعطل جلسات انتخاب الرئاسات بانتظار توافق سياسي واسع. ويعتبر مختصون أن هذه المرحلة هي الأكثر هشاشة في المسار السياسي، حيث تُعلّق العملية الدستورية إلى حين التوصل إلى اتفاقات ترضي الأطراف المتنازعة.

وفي غياب آليات دستورية واضحة لمعالجة التعطيل، أو إجراءات تلقائية تلزم القوى السياسية، يستمر الفراغ المؤسسي لأسابيع وربما أشهر، في حين تبقى القرارات القضائية غائبة.

آثار متراكمة على شرعية النظام

يرى مراقبون أن تكرار خرق التوقيتات الدستورية دون محاسبة يعزز من تآكل الشرعية الدستورية، ويؤسس لما يمكن وصفه بـ”دستور موازٍ” يُدار بالأعراف السياسية بدلًا من النصوص.

ويحذر باحثون من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالعملية السياسية والمؤسسات الدستورية، خاصة عندما تتحوّل المحكمة الاتحادية من جهة ضامنة لتطبيق النص إلى مؤسسة تفضّل المعالجة السياسية على فرض القانون.

دعوات لتفسير واضح وإجراءات رادعة

يطالب مختصون قانونيون المحكمة الاتحادية بإصدار تفسير صريح لطبيعة المدد الدستورية، وربط تجاوزها بأثر قانوني مباشر، وذلك بهدف وقف تكرار الخرق وتحويل الزمن الدستوري إلى التزام فعلي لا مجرد توجيه.

كما يدعو مراقبون إلى مراجعة قانونية شاملة تسدّ الثغرات في النصوص، وتمنع استخدام الزمن كأداة تفاوض سياسي على حساب بناء مؤسسات الدولة.

في ظل استمرار صمت القضاء وتقديم التوافق السياسي على النصوص، تبقى الخروقات الدستورية في العراق حالة متكررة بلا جزاء، ما يهدد بتكريس نمط يحكمه العرف السياسي لا الدستور، ويقوّض مبدأ التداول السلمي المنظّم للسلطة.

زر الذهاب إلى الأعلى