الفلوجة جائزة أم شهيدة؟

د.باسل حسين

اثارت ازمة الانبار الاخيرة طائفة من التساؤلات حول اسبابها ومسارها ومآلاتها والاطراف الفاعلة بها، ومع كثرة المعلومات وتقاطعاتها في وسط بيئة مضطربة باتت عملية القراءة لتلك الازمة صعبة بتعقيد الازمة نفسها.

وبادئ ذي بدء، نستطيع القول ان الازمة الاخيرة وان كان لها مقدمات طوال السنة الاخيرة من عمر الحراك الشعبي فيها، قد ظهرت بوادرها فعليا مع ارسال الجيش الى صحراء الانبار لغرض مقاتلة ” الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام ” والتي تعرف اصطلاحا بـ “داعش” ، بيد ان ارسال الجيش ماكان يتم لولا اتفاق اقليمي امريكي لبدء محاربة داعش، وهذا الاتفاق كان اتفاق مصالح وليس اتفاق مبادئ، بمعنى ان حالة العداء لداعش قد دفعت هذه الاطراف على هذا الاتفاق، فداعش كانت سببا رئيسا لانحراف الثورة السورية عن وجهتها، وهي باتت تشكل تهديدا اقليميا، والحكومة العراقية كانت وما زالت تتهم داعش بانها وراء العديد من التفجيرات في العراق، هذا الاتفاق الذي رعته الحكومة الامريكية.

وقد تجلى هذا الاتفاق بوضوح حينما تزامنت معركة الصحراء في العراق مع معركة الفصائل السورية لداعش، بحيث تشعر ان هذا التزامن هو تزامن متفق عليه.

لكن رئيس الوزراء نوري المالكي اراد توظيف هذا الاتفاق لمصلحته الانتخابية من خلال الالتفاف على هذا الاتفاق والذهاب نحو عمق مدن محافظة الانبار واقضيتها لتصفية خصومه السياسيين، فقام باعتقال النائب احمد العلواني وقتل شقيقه، ثم اقتحم ساحة الاعتصام في الرمادي، ليقوم بخطوة اخرى بسحب الجيش كي يفسح المجال امام داعش كي تستولي على محافظة الانبار، من اجل ان يظهر امام الراي العام العراقي والعربي والعالمي وكأن الانبار اصبحت جميعها ساحة قتال لمجابهة داعش وهذا ما تحقق له فعلا مع قصور فهم اللعبة السياسية من قبل خصوم المالكي وتحديدا من العرب السنة، لاسيما وان رئيس الوزراء نوري المالكي يرى ان انتصاره سيعني من بين ما يعنيه ترسيخ صورة ذهنية مفادها انه الحاكم القوي في الشارع الشيعي الذي لا يمكن ان ينافسه احد، واذا ما ظلت الامور في ظل عدم استقرار فان الانتخابات لن تحدث وهذا يعني ايضا بقاءه بمنصب رئيس الوزراء لمدة اطول.

في اللحظة ذاتها دخل خصوم رئيس الوزراء في اللعبة السياسية هذه وعينهم على الانتخابات، لذا جاءت مواقفهم مرتبكة وغير منتجة، لكن الهاجس الاكبر هنا في هذه اللحظة، هي واقع ومستقبل مدينة الفلوجة، فرئيس الوزراء يريد ان يجعل من الفلوجة جائزة له، بمعنى انه يريد الانتصار بأي ثمن حتى لو كان ذلك على حساب دماء الاف المدنيين، كي يقدمها جائزة لشارعه ويقدمه نفسه بالرجل القوي، اما خصوم المالكي الاخرون من العرب السنة فبعضهم يريد ان يقدم الفلوجة كشهيدة وان ادى ذلك الى قتل الاف المدنيين كي تكون قربانا لوصوله الى البرلمان، وبالتالي اجتمع الخصمان على شر واحد وان اختلفت مداركهما واهدافهما.

ان البيئة السياسية عادة توصف انها بيئة غير اخلاقية لكن البيئة السياسية العراقية تشهد الان اقصى عصور الانحطاط القيمي، الى درجة الاعتقاد ان من السياسيين العراقيين مستعدون ان يعملوا اي شئ في سبيل السلطة.

لكن ما احوجنا لصوت العقلاء والحكماء الخافت في وسط هذا الجنون المطبق، ورؤوس الفتنة تطل من هنا وهناك، ما احوجنا الى ضمير نقي يدافع عن هموم الناس بدلا من ان يدافع عن مصالحه الخاصة.

والسؤال المطروح هنا، اما آن الاوان ان يتوقف سفك الدم العراقي؟ كم يستلزم منا ان نقدم دماء الابرياء في سبيل شهوة السلطة ومغانمها؟ اما آن الاون ان يتقِ الساسة العراقيون الله فينا؟ وأن يحكموا ضمائرهم ودينهم، اما آن الاون كي تكرم الفلوجة بدلا ان تذبح؟

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى