العراق تحت ضغط شح الدولار مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي

المستقلة/- يواجه العراق ضغوطًا متزايدة في سوق الصرف الأجنبي مع استمرار اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار والسعر المتداول في السوق الموازية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير الحرب في المنطقة على تدفقات العملة الصعبة وحركة الاستيراد والتمويل التجاري. وتشير بيانات السوق إلى تداول الدولار قرب 155 ألف دينار لكل 100 دولار، مقابل سعر رسمي مثبت عند 132 ألف دينار لكل 100 دولار، وهو فارق يعكس استمرار الاختلال بين السياسة النقدية وحركة السوق الفعلية.

ورغم تأكيدات البنك المركزي العراقي بشأن قدرته على تغطية احتياجات السوق وامتلاكه احتياطيات أجنبية مريحة، فإن هذه التطمينات لم تنجح حتى الآن في إنهاء التوتر داخل السوق المحلية أو تقليص الاعتماد على القنوات غير الرسمية للحصول على الدولار. وكان البنك المركزي قد أكد في مارس/آذار 2026 أن احتياطياته تكفي لتغطية نحو 12 شهرًا من الاستيرادات، مع تعهده باتخاذ ما يلزم للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.

لكن منتقدين يرون أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في حجم الاحتياطي، بل في استمرار البنك المركزي باتباع سياسة نقدية شديدة المركزية، تدار بقدر كبير من الانفراد الإداري، ومن دون مستوى كافٍ من الشفافية في ما يتعلق بحجم الطلب الحقيقي على الدولار، وآليات تلبية هذا الطلب، والفجوة بين ما تحتاجه السوق فعليًا وما يمر عبر القنوات الرسمية. وهذا الغموض، برأي مراقبين، يوسع مساحة المضاربة ويضعف ثقة السوق بقدرة السياسة النقدية على الاستجابة لمبدأ العرض والطلب.

ويقول خبراء إن السوق العراقية لا تتفاعل مع التصريحات بقدر تفاعلها مع سهولة الوصول إلى الدولار، وسرعة التحويلات، وعدالة توزيع التمويل التجاري بين المصارف والتجار. وعندما يبقى السعر الموازي مرتفعًا لفترة طويلة رغم وفرة الاحتياطيات المعلنة، فإن ذلك يعني أن الخلل ليس في توافر الدولار نظريًا، بل في كفاءة إدارته وتوزيعه عمليًا.

هذا التحدي يتداخل مع ضغوط خارجية مستمرة. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال العام الماضي قيودًا على عدد من المصارف العراقية ومنعتها من التعامل بالدولار بسبب مخاوف تتعلق بالامتثال والتحويلات غير المشروعة، في خطوة زادت من تعقيد حركة التمويل وأعادت رسم خريطة الوصول إلى العملة الأمريكية داخل العراق.

كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن جميع المعاملات الدولية للعراق باتت تمر عبر المصارف التجارية وعلاقاتها مع المصارف المراسلة، مع اعتماد تدقيقات امتثال مشددة، في حين وصف التقدم في بعض جوانب الحوكمة والتقارير الداخلية داخل البنك المركزي بأنه بطيء. وتوفر هذه الملاحظات أرضية إضافية للانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارة ملف الدولار، خصوصًا في ظل الحاجة إلى سوق أكثر مرونة ووضوحًا.

ومع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، تتزايد المخاوف من أن ينعكس أي اضطراب إضافي في التجارة أو الطاقة أو سلاسل الإمداد على السوق العراقية سريعًا، ولا سيما أن الاقتصاد المحلي ما يزال شديد الحساسية لتحركات الدولار. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى تحول حقيقي في نهج البنك المركزي، من سياسة تطمين عامة إلى سياسة نقدية أكثر انفتاحًا ووضوحًا، تكشف للسوق حجم الطلب الحقيقي، وقنوات التلبية، وأسباب الاختناقات، بدل ترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات والمضاربات.

وفي المحصلة، فإن الأزمة الحالية لا تبدو أزمة احتياطيات بقدر ما هي أزمة إدارة وثقة. فالسوق لا تطلب فقط الدولار، بل تطلب أيضًا سياسة نقدية مفهومة وعادلة وقابلة للتنبؤ. وما لم ينجح البنك المركزي في تضييق الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع السوق، فإن الضغوط على الدينار ستبقى مرشحة للاستمرار، مع ما يرافق ذلك من أعباء مباشرة على التجارة والأسعار والحياة اليومية للعراقيين.

زر الذهاب إلى الأعلى