العراق 2050: طموح إصلاحي يصطدم بتحديات الاقتصاد والبطالة

المستقلة/- في لحظة مفصلية من مسار الاقتصاد العراقي، تتقدم الحكومة بخطاب طموح يسعى لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية للبلاد عبر مشروع “العراق 2050”، الذي يرفع شعار التحول نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتقليص الاعتماد على الدولة كمشغل رئيسي، غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع معقد من التشريعات المتباينة، وبنية اقتصادية ريعية، وسوق عمل لا يزال عاجزاً عن استيعاب موجات الخريجين المتزايدة.

وتسعى حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى قيادة تحول اقتصادي هيكلي، يقوم على تجاوز “العقلية الاشتراكية” الممتدة منذ عقود، والانتقال نحو نموذج يعتمد على الاستثمار الخاص، بدعم من “صندوق العراق للتنمية” كأداة تمويل وتشغيل وربط بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية.

لكن هذا المسار لا يبدو سهلاً، في ظل استمرار فجوة واضحة بين الرؤية التنفيذية والبيئة التشريعية داخل مجلس النواب، إضافة إلى قطاع خاص يوصف بأنه “هش” ويعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي والمشاريع العامة، ما يحد من قدرته على توليد وظائف مستدامة.

مؤشرات سوق عمل ضاغطة

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد العراقي، البالغ حجمه نحو 280 مليار دولار، ما زال يعاني من اختلالات هيكلية واضحة، أبرزها استحواذ الرواتب الحكومية على نحو 70% من الموازنة العامة.

وبحسب بيانات حديثة، ارتفع معدل البطالة إلى نحو 15.5% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما تتراوح بطالة الشباب بين 28% وتصل إلى أكثر من 32%، وهي من أعلى النسب في المنطقة. كما تبلغ بطالة النساء نحو 18%، في وقت يواجه فيه السوق ضغطاً ديموغرافياً متزايداً مع وصول عدد السكان إلى نحو 46 مليون نسمة، ودخول ما بين 160 ألفاً و250 ألف خريج سنوياً إلى سوق العمل.

قطاع خاص غير مكتمل النمو

ويرى مختصون أن التحدي الأساسي لا يكمن في حجم القطاع الخاص بحد ذاته، بل في طبيعة الوظائف التي يوفرها، إذ ما يزال يعتمد بشكل واسع على التمويل الحكومي والمقاولات العامة، ما يجعل استدامة هذه الوظائف محدودة.

وفي هذا السياق، يشير المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية محمد النجار إلى أن القطاع الخاص يخلق فرص عمل، لكنها غير مستقرة بسبب ارتباطه بالإنفاق الحكومي، مضيفاً أن التحول الحقيقي يتطلب تشريعات تعزز استقلالية القطاع وتقلل من هيمنة الدولة على الاقتصاد.

بيئة تشريعية تعاكس الاتجاه الإصلاحي

ورغم توجه الحكومة نحو تقليص الترهل الوظيفي، تكشف النقاشات التشريعية داخل البرلمان عن اتجاه معاكس، حيث تتضمن نسبة كبيرة من مشاريع القوانين مقترحات باستحداث هيئات ومؤسسات جديدة، ما يعزز توسع الجهاز الإداري ويزيد من معدلات البطالة المقنعة.

ويرى خبراء أن استمرار هذا النهج يعمق التحديات أمام أي محاولة لإصلاح هيكل الاقتصاد، ويجعل الوظيفة الحكومية أداة اجتماعية وسياسية أكثر من كونها إنتاجية.

اقتصاد ريعي يقيّد النمو

من جانبه، يؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن أبرز عائق أمام نمو القطاع الخاص يتمثل في استمرار الهيمنة النفطية على الإيرادات العامة، حيث تشكل العائدات النفطية ما بين 90% و95% من الموازنة.

ويضيف أن هذا الاعتماد أضعف القطاعات الإنتاجية، ورسّخ ثقافة الاعتماد على الدولة كمصدر رئيسي للعمل والدخل، إلى جانب تحديات أخرى مثل الفساد الإداري وضعف البنية التحتية الصناعية.

رؤية للتحول الاقتصادي

في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون أن العراق يمتلك فرصاً حقيقية لإعادة هيكلة اقتصاده، من خلال تحويل الاستيراد إلى إنتاج، وربط الاستثمارات بخطط تنموية إقليمية، وتفعيل المشاريع الكبرى مثل “طريق التنمية” والمدن الجديدة.

كما يشددون على أهمية إصلاح النظام المصرفي ليكون قادراً على تمويل القطاع الخاص، بما يعزز من قدرته على خلق وظائف مستدامة وخفض معدلات البطالة تدريجياً.

“العراق 2050”… بين الطموح والاختبار

وكانت الحكومة قد أطلقت رسمياً رؤية “العراق 2050” في سبتمبر 2025، بهدف التحول نحو اقتصاد متنوع وتقليل الاعتماد على النفط، مع خطط لتحقيق نسب مرتفعة من الاكتفاء الذاتي في قطاعات الغذاء والطاقة.

وفي خطوة تهدف إلى ضمان استمرارية المشروع، تعمل الحكومة على تحويل الرؤية إلى قانون ملزم، بما يضمن عدم تأثرها بتغير الحكومات، ويمنحها طابعاً استراتيجياً طويل الأمد.

وبين الطموح الكبير والواقع المعقد، يبقى مستقبل التحول الاقتصادي في العراق مرهوناً بقدرة الدولة على معالجة الاختلالات البنيوية، وتوحيد المسار بين التشريع والتنفيذ، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب التحولات الديموغرافية والاجتماعية المتسارعة.

زر الذهاب إلى الأعلى