
العراق بعد هدنة واشنطن وطهران.. تسوية للخلافات أم صراع لا ينطفئ؟
المستقلة/- في العراق، لا تبدو الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران نهاية لأزمة بقدر ما تبدو بداية لمرحلة أكثر تعقيداً، البلد الذي اعتاد أن يدفع سريعاً ثمن أي اشتباك أو تفاهم بين واشنطن وطهران. فإعلان وقف التصعيد لمدة أسبوعين، بوساطة باكستانية، خفف فوراً من خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح ملف التوازنات داخل بغداد، حيث تتحول تهدئة الخارج عادة إلى سباق داخلي على النفوذ وشكل السلطة المقبلة.
ويكتسب العراق حساسيته الخاصة من كونه لم يكن بعيداً عن جبهة التصعيد الأخيرة، بل كان واحداً من أكثر المسارح تأثراً بها. فبالتزامن مع الهدنة، أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي تحالف لفصائل مسلحة موالية لإيران، تعليق عملياتها في العراق والمنطقة لمدة أسبوعين، في خطوة تعكس انتقال الضغط من الساحة الأمنية إلى المجال السياسي، وتوحي بأن التهدئة الإقليمية بدأت تفرض إيقاعها المباشر على الداخل العراقي.
في هذا المناخ، يعود السؤال العراقي القديم بصيغة جديدة: هل تفتح الهدنة باب التسوية، أم تؤجل فقط انفجار الصراع؟ فالقوى السياسية العراقية لم تنجح أصلاً في حسم ملف الحكومة منذ انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، رغم تقدم ائتلاف يقوده محمد شياع السوداني، وبقيت عملية تشكيل السلطة معطلة تحت وطأة الانقسامات الشيعية والكردية والسنية، فضلاً عن تأثير التوازن الإقليمي والدولي على القرار الداخلي.
ومن داخل المعسكر الشيعي نفسه، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. فقد كان الإطار التنسيقي قد أعاد ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، قبل أن يقول المالكي لاحقاً إنه سيرحب بأي قرار يقضي باستبداله مرشحاً آخر، في إشارة واضحة إلى أن التوافق لم يكن صلباً حتى قبل الهدنة الحالية. ومع دخول وقف التصعيد حيز التنفيذ، تتزايد التقديرات بأن المرحلة المقبلة قد تدفع باتجاه إعادة فرز داخلية، سواء عبر تثبيت مرشح يملك دعماً أوسع، أو عبر البحث عن صيغة تسوية تقلل من الاعتراضات الداخلية والخارجية معاً.
وتتجه الأنظار الآن إلى جلسة البرلمان المقررة في 11 أبريل/نيسان، وهي الجلسة التي حُددت لانتخاب رئيس الجمهورية، في خطوة دستورية أساسية قبل الانتقال إلى تكليف رئيس الوزراء. غير أن هذه الجلسة، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن الأزمة السياسية تقترب من نهايتها، لأن انتخاب الرئيس لا يختزل وحده الخلافات الأعمق المتعلقة بهوية رئيس الحكومة المقبلة، ولا يحسم تلقائياً صراع المصالح داخل الكتل الكبرى.
وتشير مؤشرات محلية حديثة إلى أن الانقسام داخل الإطار التنسيقي ما زال قائماً، إذ تحدثت تقارير عراقية عن تباينات داخلية بين أجنحته بشأن ملفات القوة المسلحة والتحالفات المقبلة، بالتوازي مع تفاهمات جزئية تخص الاستحقاقات الدستورية. وهذا يعني أن التهدئة الأمريكية الإيرانية لم تنتج، حتى الآن، اصطفافاً عراقياً جديداً بقدر ما دفعت الأطراف إلى إعادة حساباتها تحت سقف الهدوء المؤقت.
لكن العامل الأكثر حساسية يبقى خارجياً. فصمود الهدنة من عدمه سيؤثر مباشرة في شكل التفاهمات داخل بغداد. فإذا تحولت إلى مسار أطول، فقد تجد القوى العراقية نفسها مضطرة إلى إنتاج تسوية أكثر هدوءاً وأقل صداماً مع البيئة الإقليمية الجديدة. أما إذا بقيت هدنة هشة أو انهارت سريعاً، فإن العراق قد يعود إلى موقعه التقليدي كساحة اختبار للرسائل المتبادلة، بما يعمق الانقسام الداخلي بدلاً من احتوائه. وما يعزز هذا الاحتمال أن الاتفاق المعلن ما زال مؤقتاً ومشروطاً، فيما ترتبط استدامته بمسار تفاوضي لم تتضح نتائجه بعد.
لهذا، فإن الحديث عن استقرار وشيك في العراق يبدو سابقاً لأوانه، كما أن الجزم بانفجار سياسي فوري لا يستند بعد إلى وقائع حاسمة. الأرجح أن بغداد دخلت مرحلة “إعادة ترتيب أوراق” حقيقية: هدوء في الإقليم، وقلق في الداخل؛ انخفاض في منسوب النار، وارتفاع في مستوى التفاوض. وبين هذين المسارين، سيبقى مستقبل السلطة في العراق معلقاً على سؤال واحد: هل تنجح القوى السياسية في استثمار لحظة التهدئة لصناعة تسوية مؤجلة منذ أشهر، أم أن صراع المصالح سيبقي البلاد داخل دائرة أزمة لا تنطفئ؟





