العراق أمام أزمة موازنة 2027.. تأخير وتحذيرات مالية

المستقلة/- تتزايد المخاوف السياسية والاقتصادية في العراق مع تأخر الحكومة في إرسال مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027 إلى مجلس النواب، بعد تجاوز الموعد المحدد في قانون الإدارة المالية، وسط غموض بشأن موعد وصول المشروع إلى البرلمان، وتحذيرات من انعكاسات التأخير على الإنفاق الحكومي والخدمات الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين.

ويأتي هذا التعثر في مرحلة اقتصادية حساسة يواجه فيها العراق تحديات تتعلق بإدارة الإيرادات العامة وتحديد أولويات الإنفاق، بالتزامن مع التغيرات التي طرأت على سعر صرف الدينار العراقي، وتزايد الحاجة إلى تمويل القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصحة والكهرباء والخدمات البلدية.

وبحسب تصريحات نقلتها صحيفة «المدى» عن عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، فإن استحداث وزارات وتشكيلات حكومية جديدة كان من بين الأسباب الرئيسية التي أعاقت استكمال مشروع الموازنة وإرساله ضمن الموعد المحدد في 15 تشرين الأول الجاري، إلى جانب ضغوط وعوامل أخرى أثرت في إعداد المسودة النهائية.

وأكد كوجر أن اللجنة المالية لا تمتلك حتى الآن موعداً واضحاً لتسلم المشروع، رغم التعهدات السابقة لوزارة المالية بالالتزام بالتوقيتات القانونية، مشيراً إلى أن استمرار التأخير يضع البرلمان أمام ضرورة معالجة وضع فصله التشريعي لإتاحة المجال أمام مناقشة الموازنة وإقرارها.

غير أن تمديد الفصل التشريعي لا يُعد إجراءً تلقائياً بمجرد تأخر إرسال الموازنة، بل يخضع للأحكام الدستورية والإجراءات البرلمانية ذات الصلة، وهو ما يجعل حسم المسار التشريعي مرتبطاً بوصول المشروع واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه.

وفي السياق ذاته، أكد النائب خالد سيدو عزير، وفق تصريحات نشرتها «المدى»، أن مشروع موازنة 2027 لا يزال قيد الإعداد والمراجعة داخل مجلس الوزراء ووزارة المالية، ولم يصل بعد إلى اللجان البرلمانية المختصة.

ويثير غياب موعد رسمي لإحالة المشروع تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على استكمال التقديرات المالية في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بحجم الإيرادات النفطية وغير النفطية، والإنفاق التشغيلي، وتخصيصات الاستثمار، والالتزامات المالية المترتبة على الوزارات والمؤسسات الحكومية.

ويرى مراقبون أن التحدي لا يقتصر على التأخر في إرسال الموازنة، بل يمتد إلى طبيعة السياسة المالية التي ستعتمدها الحكومة خلال العام المقبل، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والحفاظ على مستوى مقبول من الاستثمار والخدمات العامة.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية بعد تعديل سعر الصرف الرسمي للدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً خلال تشرين الأول الجاري، وفق القرارات الواردة في المعطيات الاقتصادية المعلنة، وهو تحول من شأنه التأثير في حسابات الإيرادات النفطية المقومة بالدينار، فضلاً عن كلفة السلع المستوردة والمستلزمات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية.

ورغم أن انخفاض قيمة الدينار قد يرفع القيمة المحاسبية للإيرادات الدولارية عند تحويلها إلى العملة المحلية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحسناً فعلياً في الوضع المالي، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الاستيراد والتجهيز وتراجع القوة الشرائية.

وفي قراءة للأزمة، حذر الخبير الاقتصادي دريد شاكر العنزي، بحسب تصريحاته لـ«المدى»، من غياب رؤية واضحة لترتيب الأولويات الحكومية، مشيراً إلى أن التغيرات الهيكلية في إعداد الموازنة والتطورات الإقليمية تفرض مراجعات دقيقة قبل اعتماد التخصيصات النهائية.

واعتبر العنزي أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وضوح الأولويات بين القطاعات الحكومية، موضحاً أن الاهتمام المعلن بملفات الكهرباء والطاقة يجب ألا يأتي على حساب الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها توفير الأدوية والغذاء والخدمات الصحية.

وتبرز أزمة الأدوية بوصفها أحد أبرز الملفات التي تستدعي معالجة عاجلة، في ضوء التحذيرات من نقص بعض المستلزمات والعلاجات الأساسية، ولا سيما الأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة.

ويثير هذا الواقع مخاوف من أن يؤدي استمرار الاضطراب المالي والإداري إلى زيادة الأعباء على المرضى والأسر العراقية، في حال تعذر توفير العلاجات عبر المؤسسات الصحية الحكومية واضطر المواطنون إلى شرائها من الأسواق الخاصة بأسعار أعلى.

ومع ذلك، فإن تحديد حجم النقص الدوائي ومدى ارتباطه المباشر بتأخر الموازنة يحتاج إلى بيانات رسمية من وزارة الصحة بشأن المخزون والتجهيز والتمويل، إذ يمكن أن تتداخل في الأزمة عوامل تتعلق بإجراءات التعاقد والاستيراد والتوزيع.

اقتصادياً، قد ينعكس تأخر إقرار موازنة 2027 على توقيت إطلاق المشاريع الاستثمارية الجديدة والتخصيصات المرتبطة بها، فيما تعتمد قدرة المؤسسات على مواصلة الإنفاق على القواعد القانونية النافذة والاعتمادات المتاحة، ولا يعني تأخر الموازنة بالضرورة توقف الرواتب أو جميع النفقات الحكومية.

كما أن استمرار عدم اليقين بشأن حجم الإنفاق العام قد يؤثر في توقعات القطاع الخاص، خصوصاً الشركات المرتبطة بالعقود الحكومية ومشاريع البنية التحتية، في وقت تحتاج فيه الأسواق العراقية إلى قدر أكبر من الاستقرار المالي والنقدي.

وتضع هذه التطورات الحكومة أمام ثلاثة تحديات مترابطة، تتمثل في استكمال مشروع موازنة واقعية تستند إلى تقديرات قابلة للتنفيذ، وضمان تمويل الخدمات الأساسية دون انقطاع، ووضع سياسة إنفاق تحد من الضغوط التضخمية وتحافظ قدر الإمكان على القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي المقابل، سيكون مجلس النواب مطالباً بممارسة دوره الرقابي والتشريعي عند وصول المشروع، من خلال تدقيق تقديرات الإيرادات والعجز والاقتراض، ومراجعة التخصيصات الموجهة للقطاعات الخدمية، والتأكد من وجود آليات واضحة لتنفيذ الموازنة ومراقبة الإنفاق.

وتكشف أزمة موازنة 2027 عن اختبار جديد لقدرة الحكومة العراقية على إدارة التحولات الاقتصادية والمالية في ظروف إقليمية معقدة، إذ لم يعد التحدي محصوراً في موعد إرسال القانون إلى البرلمان، وإنما في طبيعة القرارات التي ستحدد اتجاه الإنفاق العام ومستوى الخدمات خلال العام المقبل.

وبينما يبقى موعد وصول الموازنة غير محسوم وفق التصريحات النيابية الواردة، تتجه الأنظار إلى الحكومة ووزارة المالية لتوضيح أسباب التأخير والإعلان عن جدول زمني رسمي، في ظل تصاعد المطالبات بإعطاء الأولوية للأدوية والغذاء والخدمات الأساسية، وعدم تحميل المواطنين كلفة الارتباك في إدارة الملف المالي.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى