الطيران الإيراني يفجر أزمة داخل الإطار.. بغداد تبحث عن استثناء أميركي ومخرج سياسي

المستقلة/-يدخل ملف الرحلات الجوية الإيرانية إلى العراق مرحلة سياسية أكثر حساسية، مع استعداد قادة الإطار التنسيقي لعقد اجتماع مساء الأحد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي، لمناقشة قرار وقف استقبال الطائرات الإيرانية في المطارات العراقية، وسط اعتراضات سياسية وشعبية ومحاولات حكومية لفتح مسار تفاوضي مع واشنطن.

وبحسب مصدر سياسي مطلع، فإن الاجتماع سيبحث مبررات القرار الحكومي وآثاره على العلاقة مع طهران، إضافة إلى المواقف الرافضة له داخل العراق، وما إذا كانت قوى الإطار ستساند استمرار الإجراءات الحالية أو تدفع باتجاه حل سياسي ودبلوماسي يخفف تداعياتها.

لكن تتبع مسار الأزمة يكشف أن الأمر لا يتعلق بقرار عراقي منفصل بقدر ارتباطه بتوسع كبير في العقوبات الأميركية على قطاع الطيران الإيراني. ففي 8 أيلول/سبتمبر، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 36 هدفاً مرتبطاً بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران، إلى جانب وسطاء وشركات دعم وخدمات مرتبطة بهذا القطاع. كما علّقت واشنطن تراخيص طيران مرتبطة بإيران، محذرة الجهات الأجنبية من مخاطر الاستمرار في تقديم خدمات لبعض الشركات المشمولة بالعقوبات.

وهنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في فهم ما حدث داخل العراق: التوقف لم يبدأ بالضرورة كـ”حظر شامل” أُعلن بقرار واحد في البداية. تقارير من داخل وزارة النقل أفادت بأن شركات المناولة والخدمات الأرضية أوقفت تقديم خدماتها للرحلات المرتبطة بإيران في المطارات العراقية بسبب المخاوف من التعرض للعقوبات الأميركية، وهو ما أدى عملياً إلى تعطيل الحركة الجوية قبل أن تتوسع الإجراءات لاحقاً.

وبعد ذلك، أكدت الحكومة العراقية أنها دخلت في حوار مباشر مع الولايات المتحدة للحصول على استثناءات لبعض المطارات العراقية، بما يسمح باستئناف الرحلات لأغراض مدنية وإنسانية تشمل العلاج والدراسة والزيارات الدينية. كما قال وزير الخارجية فؤاد حسين إن بغداد أبلغت الجانب الإيراني بحظر شركات الطيران الإيرانية، وإنها ستناقش الملف مع واشنطن.

هذه المعطيات تجعل اجتماع الإطار المرتقب أكثر من مجرد نقاش حول الطيران. فالملف أصبح اختباراً لطريقة تعامل الحكومة العراقية مع العقوبات الأميركية عندما تصطدم بمصالح سياسية واقتصادية وإنسانية مرتبطة بإيران.

ومن الناحية العملية، تواجه بغداد ثلاثة مستويات من الضغط في الوقت نفسه. الأول قانوني ومالي، إذ إن الشركات التي تقدم خدمات لكيانات مدرجة على قوائم العقوبات يمكن أن تواجه مخاطر تتعلق بالتعامل مع النظام المالي الأميركي، بحسب تحذيرات الخزانة الأميركية. والثاني سياسي داخلي، في ظل اعتراض قوى عراقية تعتبر وقف الرحلات إجراءً يضر بالعلاقات مع إيران. والثالث اقتصادي وخدمي، لأن استمرار توقف الرحلات يؤثر في المسافرين وشركات السياحة والنقل والمطارات.

وتكشف العقوبات الأميركية نفسها عن حجم المشكلة أمام الحكومة العراقية. فالخزانة الأميركية لم تكتفِ باستهداف شركات بعينها، بل قالت إن إجراءاتها الجديدة تهدف إلى عزل قطاع الطيران الإيراني الأوسع، واتهمت بعض شركات الطيران باستخدامها في نقل أسلحة وأفراد وشحنات لمصلحة مؤسسات عسكرية إيرانية. وهذه اتهامات أميركية رسمية تنفي طهران عادةً إطارها السياسي الأوسع، لكنها تشكل الأساس القانوني الذي تعتمد عليه واشنطن في فرض العقوبات.

وفي المقابل، أثار الملف ردود فعل إيرانية حادة. فقد هاجم مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي قرار إغلاق بعض المطارات العراقية أمام الرحلات الإيرانية، وانتقد موقف الإطار التنسيقي منه، ما أضاف بعداً سياسياً مباشراً إلى الأزمة بين بغداد وطهران.

وهذا التصعيد في الخطاب يفسر جزئياً سبب انتقال القضية إلى داخل اجتماعات الإطار التنسيقي. فالقوى المنضوية فيه تجد نفسها أمام معادلة معقدة: دعم حكومة تقول إنها تحاول حماية المصالح العراقية وتجنب تبعات العقوبات، وفي الوقت ذاته التعامل مع حليف إقليمي رئيسي ينظر إلى الحظر باعتباره إجراءً يمس علاقاته وحركة مواطنيه.

كما أن استمرار توقف الرحلات قد يفتح باب ضغوط شعبية، خصوصاً لدى المسافرين المرتبطين بالعلاج والزيارات الدينية والدراسة، وهو ما دفع الحكومة إلى التركيز علناً على طلب استثناءات لهذه الأغراض بدلاً من المطالبة بإلغاء العقوبات بأكملها.

ومن هنا، يمكن قراءة التحرك العراقي الحالي باعتباره محاولة للبحث عن “مخرج وسط”: عدم تحدي العقوبات الأميركية بصورة مباشرة، وفي الوقت نفسه الحصول على استثناءات محددة تسمح باستمرار جزء من حركة السفر مع إيران.

لكن نجاح هذا المسار ليس مضموناً. فالعقوبات الأميركية الصادرة في 8 أيلول جاءت ضمن حملة أوسع ضد قطاعات إيرانية، ووصفتها الخزانة بأنها جزء من سياسة تستهدف مصادر الدعم المالي واللوجستي لطهران. وهذا يعني أن أي استثناءات محتملة ستكون مرتبطة بمفاوضات دقيقة وشروط تنفيذية، وليست مجرد قرار إداري عراقي.

كذلك، لم تعلن الحكومة حتى الآن أن واشنطن وافقت بالفعل على منح الاستثناءات المطلوبة. المعلن هو وجود حوار مباشر وطلب عراقي رسمي، وبالتالي فإن الحديث عن قرب استئناف الرحلات يبقى سابقاً لأوانه ما لم يصدر اتفاق أو ترخيص واضح من الجهات الأميركية المختصة.

ويضع هذا الواقع اجتماع الإطار أمام سؤالين أساسيين: هل يكتفي بدعم التحرك الحكومي للحصول على استثناءات، أم يطالب بتغيير أوسع في آلية التعامل مع العقوبات؟ وهل تستطيع بغداد التوصل إلى صيغة تحافظ على حركة الطيران مع إيران من دون تعريض شركات المطارات والمناولة العراقية لمخاطر مالية وقانونية؟

حتى الآن، تبدو الكفة متجهة نحو المسار الدبلوماسي، لأن الحكومة أعلنت بالفعل فتح قناة تفاوض مع واشنطن، فيما لا توجد مؤشرات موثقة على قرار عراقي بمواجهة العقوبات أو تجاهلها.

وبذلك، لم يعد ملف الطائرات الإيرانية مسألة نقل جوي فقط، بل تحول إلى اختبار أوسع لسياسة العراق الخارجية: كيف يحافظ على علاقته مع إيران، ويتجنب في الوقت نفسه الاصطدام بالنظام المالي والعقوبات الأميركية؟

والنتيجة التي سيخرج بها اجتماع الإطار قد تحدد المسار السياسي لهذا الملف في الأيام المقبلة، لكن الحسم الفعلي سيبقى مرتبطاً بما إذا كانت واشنطن ستوافق على استثناءات عملية، وما هي المطارات والشركات والرحلات التي يمكن أن تشملها.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى