من التحالف إلى التنافس: قراءة في تَحوُّل العلاقة السعودية–الإماراتية

المستقلة/ تقرير/- لم تعد العلاقة بين السعودية والإمارات تُقدَّم، في دوائر السياسة والإعلام، بوصفها تحالفًا متجانسًا تحكمه رؤية واحدة بقدر ما باتت تُقرأ كعلاقة مركّبة تتقاطع فيها المصالح وتتصادم فيها المقاربات. فبينما يستمر التنسيق في ملفات عدة، تتكشف على نحو متزايد مؤشرات تنافس هادئ لكنه عميق، لا يظهر دائمًا في البيانات الرسمية، بل ينعكس في مسارات النفوذ الإقليمي وطريقة إدارة الأزمات في الدول الهشّة.

هذا التحول لا يرتبط بحدث بعينه أو خلاف عابر، بل يعكس انتقال العلاقة من مرحلة التوافق الظرفي إلى مرحلة إعادة تعريف الدور والمكانة. فمع تغيّر البيئة الإقليمية وتراجع بعض التهديدات المباشرة، برزت الأسئلة المؤجلة حول من يقود المشهد، وبأي أدوات، وعلى أي نموذج من النفوذ تُبنى الشراكات المستقبلية.

خلال السنوات الماضية، تقاطعت الرياض وأبوظبي في أهداف كبرى تتعلق بالأمن الإقليمي ومواجهة خصوم مشتركين، غير أن هذا التقاطع أخفى اختلافًا بنيويًا في الرؤية. فالسعودية، بثقلها السياسي والديني، تميل إلى مقاربة تقوم على دعم الدولة المركزية والحفاظ على الشرعية بوصفها الإطار الوحيد القادر على ضمان الاستقرار طويل الأمد. في المقابل، طورت الإمارات سياسة أكثر مرونة تعتمد على بناء شبكات نفوذ عبر شركاء محليين، واستثمار نقاط استراتيجية، وتوظيف الفاعلين غير الرسميين لتحقيق مكاسب سريعة وفعالة.

تظهر هذه المواقف في أكثر من ساحة، من دون أن تكون تلك الساحات بحد ذاتها محور الخلاف. ففي اليمن مثلًا، يتجلى الاختلاف في كيفية مقاربة الجنوب ودور القوى المحلية، حيث تركز السعودية على مسار الشرعية ووحدة الكيان السياسي، بينما تميل الإمارات إلى دعم قوى منظمة تؤدي أدوارًا أمنية وسياسية موازية. وفي السودان، يبرز التنافس غير المباشر في ظل حرب أهلية معقدة، حيث تتقاطع المصالح الخليجية مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة. أما في الاقتصاد الإقليمي، فيأخذ التنافس طابعًا أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل أهمية، مع سعي كل طرف إلى ترسيخ موقعه كمركز ثقل في الاستثمار والتجارة وصناعة القرار.

في جوهر هذا التنافس، يبرز اختلاف واضح بين نموذجين. النموذج الإماراتي يقوم على النفوذ الشبكي، حيث تُدار المصالح عبر وكلاء محليين وشراكات مرنة تقلل من الكلفة السياسية المباشرة، لكنها في الوقت نفسه تعيد تشكيل موازين القوى داخل المجتمعات الهشة. أما النموذج السعودي، فيرتكز على منطق الدولة، ويفضّل التعامل مع الحكومات المعترف بها دوليًا، حتى وإن كان ذلك أكثر تعقيدًا وأبطأ في تحقيق النتائج.

هذا التباين في الأدوات لا يبقى حبيس الحسابات الثنائية، بل يترك أثره على الدول والمجتمعات التي تتحول إلى ساحات تنافس. فحين لا يُدار الخلاف بين الشركاء ضمن أطر سياسية واضحة، تصبح المجتمعات المحلية أكثر عرضة للتفكك، وتتعدد مراكز القرار، ويضعف مفهوم الدولة لصالح الولاءات الجزئية. وفي مثل هذه البيئات، لا يقتصر الضرر على الأطراف المحلية، بل يمتد ليقوض أي جهد إقليمي لبناء استقرار مستدام.

ورغم ذلك، لا تُختزل العلاقة السعودية–الإماراتية في مسار تصادمي. فكلا الطرفين يدرك أن استمرار التنافس بصيغته الحالية يحمل كلفة متزايدة، وأن التحول إلى تنافس إيجابي قد يكون خيارًا أقل تكلفة وأكثر انسجامًا مع مصالحهما بعيدة المدى. ويعني ذلك الانتقال من إدارة النفوذ عبر الوكلاء إلى إدارة المصالح بشكل مباشر، ووضع قواعد غير معلنة تضبط التنافس في الساحات الحساسة، وتحويل جزء كبير من هذا التنافس إلى مجالات اقتصادية وتنموية بدل أن يبقى محصورًا في ميادين الصراع السياسي والأمني.

في النهاية، لا تبدو السعودية والإمارات على أعتاب قطيعة، لكنها أيضًا لم تعودا في موقع التحالف المتطابق. فالعلاقة اليوم تقف في منطقة وسطى، حيث يتعايش التعاون مع التنافس، وتُختبر قدرة الطرفين على إعادة ضبط المعادلة. ويبقى السؤال الأوسع مطروحًا في المنطقة: هل ينتصر منطق الدولة والشرعية الذي تراهن عليه الرياض، أم يستمر نفوذ الشبكات والوكلاء الذي تتقنه أبوظبي، أم ينجح الطرفان في صياغة نموذج جديد يخفف من كلفة التنافس على الدول والمجتمعات التي تدفع ثمنه؟

زر الذهاب إلى الأعلى