البنك المركزي العراقي بين تثبيت الدينار وإخفاء هشاشة الاقتصاد.. تحقيق استقصائي

السياسة النقدية في العراق بين 2022 و2025

المستقلة/- لم تكن السنوات الممتدة من 2022 إلى 2025 مجرد مرحلة نقدية صعبة في العراق، بل كانت اختباراً حقيقياً لدور البنك المركزي العراقي وحدود قدرته. ففي الواجهة، بدت الصورة مطمئنة: سعر صرف رسمي ثابت تقريباً، تضخم منخفض نسبياً، واحتياطيات أجنبية قوية. لكن تحت هذه الواجهة، استمرت السوق الموازية بالدوران، وبقي الاقتصاد معتمداً على النفط، فيما ظل القطاع المصرفي أضعف من أن يتحول إلى رافعة تنمية حقيقية.

من الناحية القانونية، لا يُفترض بالبنك المركزي أن يكون مجرد جهة لإدارة بيع الدولار، بل مؤسسة هدفها الأساسي تحقيق استقرار الأسعار والحفاظ على نظام مالي مستقر وتنافسي. غير أن التجربة العراقية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن المؤسسة وجدت نفسها عملياً في قلب معركة مختلفة: كيف تضبط الطلب على الدولار، وتمنع تهريب العملة، وتحتوي أثر السوق الموازية، من دون أن تمتلك أدوات كافية لعلاج جذور الخلل في الاقتصاد الحقيقي.

من أين بدأت الأزمة؟

في 2022، بدأت الفجوة تتسع بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، في لحظة كشفت هشاشة العلاقة بين السياسة النقدية والسوق. لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بحركة العرض والطلب، بل دخلت عليه عوامل الامتثال الخارجي، والتحويلات المشددة، والرقابة على مصادر الدولار واستخداماته. ومع الوقت، لم تعد السياسة النقدية مجرد أداة لتنظيم السوق، بل أصبحت طرفاً مباشراً في صراع مفتوح بين الدولة والسوق غير الرسمية.

المنعطف الأهم جاء في 2023، عندما دخل البنك المركزي مرحلة أكثر صرامة في إدارة التحويلات الخارجية. فقد جرى تشديد الامتثال الإلكتروني، وفرض ضوابط على التحويلات، وتوسيع الرقابة على البنوك المشاركة في عمليات الدولار. في الوقت نفسه، رُفعت أسعار الفائدة، وشُددت متطلبات الاحتياطي، ضمن سياسة هدفت إلى الحد من الضغوط التضخمية وتقليص الفجوة السعرية. لكن النتائج لم تكن أحادية الاتجاه: نعم، تعزز الانضباط الرسمي، لكن السوق الموازية لم تختف، بل أعادت إنتاج نفسها تحت ضغط القيود.

حين صار الدولار ملفاً سيادياً

ما جرى لم يكن مجرد إصلاح مصرفي داخلي. رويترز وثقت في 2023 أن السلطات العراقية شددت قيود الدولار ضمن مسار مرتبط أيضاً بمنع إساءة استخدام العملة الصعبة والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. وفي تموز 2023 تم منع 14 مصرفاً عراقياً من إجراء معاملات بالدولار، ثم أضيفت 8 مصارف أخرى في شباط 2024. كما أعلنت السلطات إنهاء السحب النقدي والتعاملات النقدية بالدولار ابتداءً من 2024 في إطار تقليص الدولرة النقدية داخل الاقتصاد.

هذه الإجراءات تعني أن البنك المركزي لم يكن يدير “مزاد عملة” بالمعنى التقليدي فقط، بل كان يعيد هندسة مسارات الدولار في العراق. ومع ذلك، فإن هذه الهندسة لم تُنهِ جوهر المشكلة: الحاجة التجارية إلى الدولار بقيت عالية، والثقة بالقطاع المصرفي بقيت محدودة، والإجراءات الرسمية بقيت معقدة بالنسبة لكثير من المتعاملين. وهنا ظهر التناقض الكبير: كلما تشددت القنوات الرسمية، ازداد إغراء اللجوء إلى السوق الموازية.

هل نجح البنك المركزي في تثبيت الاستقرار؟

وفق تقارير البنك المركزي، انخفض التضخم العام في نهاية 2024 إلى 2.6%، فيما بلغ التضخم الأساسي 2.8%. كما أظهرت تقارير البنك أن الاحتياطيات الأجنبية بقيت مرتفعة، رغم تراجعها من 145.3 تريليون دينار في 2023 إلى نحو 130.3 تريليون دينار بنهاية 2024. وفي الوقت نفسه، خُفض سعر الفائدة من 7.5% إلى 5.5% خلال 2024، في إشارة إلى انتقال السياسة النقدية من التشدد إلى التهدئة الحذرة.

على الورق، تبدو هذه مؤشرات نجاح لا يمكن إنكارها. فالعراق لم ينزلق إلى تضخم جامح، ولم يشهد انهياراً رسمياً في قيمة الدينار، واحتفظ بهامش أمان نقدي مهم. لكن صندوق النقد الدولي يضع صورة أكثر تعقيداً: في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، أشار إلى أن العراق حافظ على الاستقرار الداخلي رغم الاضطرابات الإقليمية، لكنه واجه توسعاً سريعاً في الإنفاق، وقيوداً تمويلية، وتراكماً للمتأخرات في 2024، مع استمرار المخاطر على الاستدامة المالية والخارجية بسبب تراجع أسعار النفط وارتفاع الهشاشة البنيوية.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

التحقيق في أداء البنك المركزي يقود إلى نتيجة أولى: المشكلة ليست في سعر الصرف وحده، بل في بنية الاقتصاد كله. فالعراق، بحسب البنك الدولي، ما زال يعتمد بشكل حاد على النفط، ما يجعل أي استقرار نقدي مرتبطاً مباشرة بتدفق العوائد النفطية لا بقوة الإنتاج المحلي أو تنوع القاعدة الاقتصادية. البنك الدولي حذر بوضوح من أن ازدهار النفط قد يتحول إلى أزمة من دون إصلاحات هيكلية، لأن نموذج التنمية القائم ما زال ريعياً وقابلاً للاهتزاز مع أي صدمة في الأسعار أو الإنتاج.

هذا يعني أن البنك المركزي، مهما امتلك من أدوات، لا يستطيع وحده تحويل استقرار العملة إلى اقتصاد منتج. فهو يدير العملة، لكنه لا يدير الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمار العام. وبالتالي، حين ينجح في تثبيت السعر الرسمي، لا يعني ذلك تلقائياً أن المواطن يلمس استقراراً معيشياً كاملاً، ولا أن السوق تتخلص من التشوهات، ولا أن القطاع الخاص يصبح أكثر قدرة على النمو.

القطاع المصرفي: الحلقة الأضعف

من أكثر الملفات حساسية في عمل البنك المركزي ملف المصارف العراقية. فالإصلاحات التي طُبقت خلال السنوات الأخيرة ركزت بقوة على الامتثال، والرقابة، والمدفوعات الإلكترونية، وبناء قنوات أكثر انضباطاً للتعاملات الخارجية. وقد سجل البنك بالفعل تقدماً في البنية الرقمية المالية وفي انتشار وسائل الدفع الإلكتروني. لكن هذا لا يخفي حقيقة أن الدور التنموي للقطاع المصرفي بقي محدوداً، وأن آلية انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي ما زالت ضعيفة، وهو ما أشار إليه صندوق النقد بوضوح.

بعبارة أكثر مباشرة: المصارف العراقية تحسنت رقابياً أكثر مما تحسنت تنموياً. فهي أكثر التزاماً في بعض الجوانب، لكنها لم تتحول بعد إلى جهاز تمويل إنتاجي قادر على منح الائتمان على نطاق واسع للمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: البنك المركزي نجح جزئياً في “تنظيف القنوات”، لكنه لم يستطع تحويل المصارف إلى محرك فعلي للاقتصاد.

2025: مرحلة التحول أم إعادة تدوير الأزمة؟

أحد التطورات المهمة التي سجلها صندوق النقد الدولي أن جميع المعاملات الدولية أصبحت تمر منذ كانون الثاني 2025 عبر البنوك التجارية وعلاقاتها مع البنوك المراسلة، مع قيام البنك المركزي بتغذية هذه الأرصدة أسبوعياً وفق الطلب على العملة الأجنبية والتدقيق على استخدامها. هذا تطور مؤسسي مهم، لأنه يشير إلى انتقال جزئي من نموذج “البيع المباشر للدولار” إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالبنية المصرفية. لكن هذا التحول لا يصبح نجاحاً كاملاً إلا إذا كانت البنوك نفسها قوية، والسوق مطمئنة، والاقتصاد أقل اعتماداً على النفط والاستيراد.

وفي المقابل، تُظهر تقارير البنك المركزي أن نسبة تغطية الاحتياطيات الأجنبية للنقد المصدر تراجعت في الربع الأول من 2025 إلى 128% مقارنة مع 144% في الفترة نفسها من 2024، نتيجة استمرار الدفاع عن قيمة الدينار وتوفير العملة الأجنبية لتغطية الطلب. هذه الأرقام لا تعني أزمة وشيكة بالضرورة، لكنها تشير إلى أن حماية الدينار ليست عملية مجانية، بل تستهلك من هامش الأمان النقدي كلما استمر الاقتصاد في طلب الدولار بالوتيرة نفسها.

ماذا يمكن قوله في الخلاصة؟

التحقيق في عمل البنك المركزي العراقي بين 2022 و2025 يقود إلى خلاصة مزدوجة. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن المؤسسة نجحت في منع انهيار نقدي كبير، وخفضت التضخم الرسمي، وحافظت على احتياطيات قوية نسبياً، وفرضت معايير امتثال أعلى، ودفعت باتجاه مزيد من التنظيم والرقمنة. ومن جهة أخرى، لم تستطع هذه النجاحات أن تُخرج العراق من معضلته الأساسية: اقتصاد ريعي يموَّل بالنفط، ويستهلك بالدولار، ويعتمد على سوق موازية حين تضيق القنوات الرسمية، وعلى قطاع مصرفي لم يبلغ بعد مستوى الثقة والكفاءة المطلوبين.

السؤال إذن ليس ما إذا كان البنك المركزي قد نجح أو فشل بصورة مطلقة، بل ماذا نجح في أن يفعل تحديداً. الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أنه نجح في إدارة الجبهة النقدية أكثر مما نجح النظام الاقتصادي في معالجة جذور أزمته. لقد أدار الدولار، لكنه لم يستطع وحده إنتاج اقتصاد أقل اعتماداً عليه. وفي هذا الفارق بالذات، تكمن القصة الكاملة للبنك المركزي العراقي: مؤسسة منضبطة نسبياً في بيئة اقتصادية غير منضبطة بما يكفي.

زر الذهاب إلى الأعلى