
الانترنت في العراق ..خدمة سيئة بكلف عالية
(المستقلة).. فتح الحراك الشبابي والشعبي الذي يشهده العراق الباب واسعا امام تحريك العديد من الملفات المجمدة في اروقة اللجان التحقيقية والمتعلقة بقضايا فساد متنوعة وفي المجلات المختلفة في العديد من مؤسسات الدولة.
ورغم ذلك فأن العديد من الامور المتعلقة بقية بعيدة عن تناول وسائل الاعلام واجندة الحراك الشعبي رغم أهميتها وتأثيرها على مسار الحياة العامة، بل وارتباطها بملفات الفساد التي يتطرق لها الاعلام بكثرة، وهذه الامور هي ما يتعلق برؤوس الاموال الكبيرة وتأثيرها على سير القرارات في مؤسسات الدولة وارتباطها بتفشي الفساد في الوزارات وغيرها.
ومن الملفات التي تبرز في هذا الجانب ملف الشركات المزودة لخدمة الانترنت في العراق، ملف يحتوي الكثير من شبهات الفساد والسرقات العلنية والخفية التي تطرق الاعلام والسياسيون لبعضها ولكن سرعان ما يتم تجاهل ذلك، وكأن الأمر أصبح واقعا لا مكن الأقتراب منه، رغم أن هذه الخدمات تزداد سوء، كما تزاد هيمنة شركات بعينها على هذا القطاع الحيوي.
وفي كانون الثاني 2018 اعلنت هيئة النزاهة عن ضبط أكبر عملية سرقة لسعات الإنترنت بقيمة بلغت 47 مليون دولار، في محافظة كركوك.وقالت الهيئة في بيان، إن فريقا من مكتب تحقيقات النزاهة في كركوك، بالتنسيق مع مكتب المفتش العام في وزارة الاتصالات، ضبط أكبر عمليات تهريب لسعات الإنترنت عبر الكابل الضوئي بمشروع سيمفوني في العراق.ووقعت عملية الضبط في موقعي شركتي “إيرثلنك” و IQتابعتين للقطاع الخاص تقدمان خدمة الإنترنت، حسب الهيئة.
ويعد العراق حسب خبراء الاتصالات من اسوء الدول في تجهيز الانترنت، بحسب معايير المنظمة العراقية لقياس جودة الانترنت، نتيجة استمرار تهريب السعات من شمال العراق بواسطة شركات معتمدة لدى وزارة الاتصالات.
فيما ذكر تقرير اقتصادي متخصص عن مجموعة المرشدين العرب للأبحاث، في حزيران الماضي، أن أعلى سعر لخدمات الإنترنت السريع بالمنطقة العربية “هو في العراق، فيما السعر الأدنى كان في تونس”.
وبشأن ذلك قال مصدر رفيع في وزارة الاتصالات على غلاء أسعار الإنترنت في تصريح صحفي لاحدى وسائل الاعلام ، ان “سعر حزمة الميغا عالمياً نصف دولار، تبيعها وزارة الاتصالات إلى الشركات المجهزة بمبلغ 200 دولار أميركي لتغطية نفقات الرواتب، على اعتبار أن شركاتها تعمل على وفق التمويل الذاتي، مع عدم ضمان جودة الخدمة من قبل الوزارة”.
فيما كشف مركز الاعلام الرقمي العراقي، عن حقائق صادمة في ما يتعلق بملف الانترنت في العراق،مبينا في بيان اصدره في تموز الماضي ، اعده فريق مختص في مجال الاتصالات والانترنت تم تشكيله لهذا الغرض:” ان الفريق توصل لنتيجة مفادها ان معظم ما يجهز للمواطنين هو انترنت “وهمي” وفقا لقياسات التجهيز والتشغيل، وانه يباع لهم باكثر من 50 ضعف سعره الحقيقي ” .
وطبقا لما اورده الفريق من وثائق وبيانات رسمية وشبه رسمية، فان العراق يستورد الانترنت بسعر ( 500 – 775 ) دولارا للـ STM الواحد، اي ما يعادل (3- 6) دولارات للميغا الواحدة ، وفقا لنوع المنفذ الذي يتم الاستيراد عن طريقه ان كان بحريا ام بريا “.
واوضح :” ان هذه الاسعار تضاف لها اجور نقل داخل العراق لايصالها الى بدالة المأمون بقيمة تقريبية 5000 دولار للـ STM الواحد (48 دولارا للميغا الواحدة) وهو ما يسمى بالنقل الدولي International ، فضلا عن 1500 دولار لنقلها الى المحافظات العراقية (10 دولارات لكل ميغا) وهو ما يسمى بقيمة النقل المحلي Local ” .
وبين :” ان قيمة استيراد الانترنت ونقله للمواطنين تبلغ بالاجمال مع كل تلك التكاليف ما مقداره (41 دولارا للميغا الواحدة) في حين يباع للمواطنين بقيمة لا تقل عن 50 ضعفا على الاقل في حال تم توفيره وفقا للمقاييس العالمية “.
واشار الفريق الى :” ان الامر لا يقتصر على المغالاة في الاسعار، بل ان الشركات تتلاعب بآليات الانترنت المجهز للمواطنين، فهي تقوم بنصب اجهزة خاصة تسهم في تخزين بيانات الانترنت مثل الفيديو والصور والمواقع المختلفة التي تستخدم داخل العراق وبذلك تصبح قيمتها محلية (Local)، ثم تباع للمواطن على انها International “.
وسبق أن اشارت تقارير مختلفة الى أن الشركات المجهزة هي من تفرض شروطها على وزارة الاتصالات، رغم ان الوزارة هي من يملك مشروع الكابل الضوئي والمتحكم بالسعات التي يتم تزويد الشركات المجهزة بها.
ورغم أن وزير الاتصالات نعيم ثجيل الربيعي، أكد قبل أشهر ان الوزارة لن تسمح لبعض الشركات بتشويه صورتها امام الرأي العام بسبب ضعف ورداءة الانترنت وستحاسب المقصرين والمتلكئين بإجراءات صارمة تبدأ بقطع الانترنت ولا تنتهي بأدراجها ضمن القائمة السوداء، بعد ان أُمهلت تلك الشركات الوقت الكافي لتحسن جودة الخدمة وتسديد ما بذمتها من ديون مترتبة، مشيراً الى ان الوزارة عازمة على تحسين جودة الانترنت وبأسعار مناسبة للمواطنين.
ولكن شيء من ذلك لم يحدث، اذ أن خدمات الشركات المزود للانترنت من سيء الى الأسوء، ويبقى العراق متذيلا قائمة الدول العربية الاسوء في تقديم خدمات الانترنت، ومتصدرا قائمة اسعار تلك الخدمة.
يبقى السؤال متى سيتم التحرك بشكل جدي لمواجهة اصرار الشركات المجهزة للانترنت على سرقة المواطن مستغلة حاجة الى استخدام الشبكة ؟ ومن سيقوم بذلك ؟ وهل تقف ملفات الفساد عند اعتاب المؤسسات الرسمية ام يتوسع افقيا بأتجاه الشركات الكبيرة التي تفرض هيمنتها عبر العمل على افساد المؤسسة الحكومية؟!!





