
ضغوط سياسية وإعلامية تؤخر المصادقة على نتائج الانتخابات في العراق
المستقلة/ سياسة/- بين لحظة إعلان نتائج الانتخابات وموعد المصادقة عليها نهائياً، هناك مساحة ضيقة لا يراها الجمهور، لكنها غالباً ما تكون الأخطر: تلك المساحة يُفترض أن يحكمها القانون وحده، بينما تقول خمسة مصادر سياسية مطّلعة لـالمستقلة إنها تتحول إلى ساحة ضغطٍ خفي تمارسه شخصيات نافذة تمتلك تأثيراً سياسياً وإعلامياً وشبكات علاقات واسعة. وفي هذه المساحة، لا تدور المعركة حول “من فاز” فقط، بل حول من يُسمح له أن يثبت فوزه، ومن يُدفع خارج المشهد قبل أن يُغلق الملف رسمياً.
وتؤكد المصادر أن الضغط لا يسير في خط واحد، بل يتحرك وفق مسارين متوازيين: مسارٌ يسعى إلى منع المصادقة على أسماء بعينها عبر إبقاء ملفات أهليتها قابلة لإعادة الفتح وخير مثال ما جرى لـ نجم الجبوري، ومسارٌ آخر يضغط باتجاه تأجيل الحسم وإطالة دورة القرار، بما يمنح الوقت لتعديل التوازنات قبل أن تصل النتائج إلى نقطة اللاعودة.
توقيت حاسم… وقرار واحد يبدّل كل شيء
تصف المصادر المرحلة الحالية بأنها “الدقائق الأخيرة” في مباراة سياسية طويلة؛ فمجرد تثبيت الأسماء أو استبعادها لا يعني تغيير مقعدٍ هنا أو هناك فحسب، بل يعني إعادة توزيع النفوذ داخل كتلٍ فائزة، وترتيب مواقع القيادة، وتحديد من يمتلك مفاتيح التفاوض على الحكومة المقبلة. لذلك—بحسب المصادر—تتحول المصادقة النهائية إلى قرارٍ واحد قد يفتح أبواباً لمرحلة جديدة، أو يشعل مواجهة داخل التحالفات نفسها.
مساران للضغط… الأول يمنع “المرور” والثاني يشتري الوقت
المصدر الأول، الذي اشترط عدم ذكر اسمه وصفته لحساسية المعلومات، يقول إن الضغوط تُمارس بطريقة “تبدو قانونية في ظاهرها”، لكنها تُدار سياسياً في خلفيتها. وفقاً له، هناك مساعٍ لإيقاف المصادقة على أسماء محددة عبر دفع ملفات الأهلية إلى الواجهة في اللحظة الحرجة، وإبقاء بعض الاعتراضات معلّقة بما يسمح بتوظيفها كأداة تفاوض، لا كمسار قانوني بحت.
في المقابل، يشير مصدر آخر إلى مسارٍ ثانٍ لا يستهدف الاستبعاد مباشرة، بل يركز على التأجيل: إطالة دورة القرار، ترحيل الحسم من محطة إلى أخرى، وإبقاء المشهد “مفتوحاً” حتى تتبدل الظروف أو تنضج التسويات.
“ملفات أهلية” تتحول إلى أوراق تفاوض
تقول المصادر إن عدداً من الاعتراضات لا يُقرأ فقط من زاوية قانونية، بل يُقرأ من زاوية سياسية صافية: من المستفيد من تمرير هذا الاسم، ومن المتضرر من استبعاده، ومن يربح إذا بقيت الأبواب نصف مفتوحة. وبحسب مصدرين، فإن جزءاً من الاعتراضات يخص شخصيات وازنة ورؤساء كتل فائزة، ما يجعل أي قرار بشأنها مشحوناً بحساباتٍ تتجاوز النصوص والإجراءات.
وبينما تبدو الطعون في سياقها الطبيعي جزءاً من العملية الانتخابية، تقول المصادر إن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطعون إلى “رافعة ضغط” تستخدم لتعديل النتائج سياسياً، أو لتليين موقف جهة ما في مفاوضات ما بعد النتائج.
مفوضية الانتخابات… ضغط القرار وضغط الشارع
مصدر ثالث يلفت إلى أن المفوضية تجد نفسها في منطقة نار: من جهة ضغط سياسي مباشر تمارسه القوى المتضررة أو الطامحة لتغيير التوازنات، ومن جهة أخرى ضغط الشارع الذي يراقب أي تأخير باعتباره علامة استفهام كبرى. ويقول هذا المصدر إن التأجيل في بعض الملفات لم يكن دائماً نابعاً من تعقيد الإجراءات وحده، بل من صعوبة اتخاذ قرار “سيُغضب” طرفاً نافذاً ويستفز ماكينة إعلامية قادرة على رفع حرارة المشهد خلال ساعات.
المحكمة الاتحادية… الهدف الأخير للضغط
عندما تصل الملفات إلى المحكمة الاتحادية، يفترض كثيرون أن المعركة انتهت. لكن مصادر المستقلة تقول إن العكس هو الذي يحدث: عند هذه النقطة يصبح الضغط أكثر حساسية، لأن المسار بات قريباً من الإغلاق النهائي. ويشير مصدر رابع إلى أن قوائم الفائزين رُفعت مع ملفات اعتراض وطلبات حجب بحق شخصيات نافذة، ما حوّل المحكمة—وفق وصفه—إلى “ساحة قرار سياسي بغطاء قانوني” في نظر اللاعبين المتنافسين، حتى وإن بقي القرار في جوهره قضائياً.
وتضيف المصادر أن ما يجعل هذه المرحلة شديدة التعقيد هو أنها تختلط فيها ثلاثة مستويات في آن واحد: إجراءات التصديق، نزاعات الأهلية، وحسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
“التسوية الصامتة”… حين يُستبدل الاستبعاد بإعادة التموضع
المصدر الخامس يطرح سيناريو مختلفاً: ليس كل ضغط هدفه إسقاط أسماء من القوائم؛ بعضه يهدف إلى إعادة توجيه طموحات شخصيات نافذة داخل التحالفات الفائزة. وفقاً لروايته، هناك ضغوط تدفع شخصيات بعينها إلى الابتعاد عن المناصب التنفيذية الأكثر حساسية، والاكتفاء بمواقع أقل صداماً. ويقول المصدر إن هذه الصيغة تُقدَّم أحياناً كحل وسط: لا إسقاط كامل ولا صدام مفتوح، بل إعادة توزيع للأدوار تحفظ توازنات التحالفات وتؤمّن “هدوءاً سياسياً” مرحلياً.
ولا تتوفر معلومات علنية قاطعة تثبت تفاصيل هذه التسويات، لكن المصادر تعتبرها جزءاً مألوفاً من تقاليد “مفاوضات ما بعد النتائج”، حين يصبح الوقت أداة ضغط، وحين تتحول بعض الملفات إلى بوابة لتبديل المواقع بدل إسقاط الأشخاص.
لماذا يصدق الشارع رواية الضغوط؟
يرى مراقبون أن أي حديث عن ضغط على القضاء يجد أرضاً خصبة في العراق، لأن العلاقة بين السياسة والقضاء شهدت توترات سابقة، ولأن الأزمات القضائية حين تقع تكون غالباً علنية ومؤثرة. لذلك، حتى عندما تبقى الروايات بلا أسماء، فإنها تُقرأ بوصفها امتداداً لصراع أوسع على المؤسسات، وعلى من يمتلك قرارها في لحظة مفصلية.
أسئلة لا تهدأ… ومعايير تنتظر شرحاً
في قلب المشهد، تتكرر أسئلة بعينها: كيف يمر مرشح إلى صناديق الاقتراع ثم تُفتح ملفات أهليته بعد الفوز؟ وما هي الضمانات التي تمنع استخدام الاعتراضات كسلاح سياسي؟ وهل يمكن للمؤسسات المعنية أن تشرح طبيعة الملفات بصورة عامة دون الإضرار بالمسار القضائي أو حقوق الأطراف؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالإجراءات وحدها، بل بثقة الجمهور في أن الصوت الانتخابي لا يمكن أن يُعاد تشكيله خارج صناديق الاقتراع.
ختاماً: حاولت وكالة الصحافة المستقلة التواصل مع المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى للحصول على إجابات مباشرة بشأن طبيعة الضغوط المزعومة وأسبابها، وتوقيت حسم الشكاوى المتعلقة بعدد من الشخصيات النافذة، وموعد المصادقة النهائية على النتائج، إلا أنها لم تتمكن من الحصول على رد مباشر حتى وقت إعداد هذا التقرير.




