
الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب.. إصلاحات مؤجلة ومخاطر متصاعدة
المستقلة/- يمرّ الاقتصاد العراقي بمرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب التصعيد الإقليمي الأخير، بل أيضاً لأن نقاط ضعفه البنيوية القديمة ما تزال قائمة: اعتماد مالي كبير على النفط، تباطؤ في نمو القطاع غير النفطي، توسع في الإنفاق العام، وضغوط مستمرة على التوازنات الخارجية والنظام المالي. وتجمع تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على أن الاقتصاد العراقي يواجه “رياحاً معاكسة” واضحة، وأن أي صدمة إضافية في النفط أو التجارة أو التمويل الخارجي يمكن أن تنتقل سريعاً إلى المالية العامة والنشاط الاقتصادي المحلي.
وتظهر الصورة الكلية أن الاقتصاد لم يدخل عام 2026 من موقع مريح بالكامل، حتى قبل تفاقم تداعيات الحرب. فصندوق النقد قال إن نمو القطاع غير النفطي تباطأ من 13.8% في 2023 إلى نحو 2.5% في 2024، بينما انكمش النمو الكلي بنسبة 2.3% بفعل تراجع إنتاج النفط. كما قدّر أن العجز المالي اتسع إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 بعد أن كان 1.1% في 2023، مع عودة المتأخرات المالية، ولا سيما في قطاع الطاقة والإنفاق الرأسمالي، في وقت تراجعت فيه قوة الحساب الجاري بفعل ارتفاع الاستيرادات.
ورغم أن التضخم بقي منخفضاً نسبياً حتى نهاية 2024، عند نحو 2.7% بحسب صندوق النقد، فإن هذا الاستقرار السعري لا يلغي هشاشة البنية الاقتصادية. فالعراق ما يزال يعتمد على الإنفاق الحكومي لتغذية النشاط غير النفطي، فيما يبقى الاستيراد مرتفعاً والقطاع الخاص أضعف من أن يقود النمو بمفرده. البنك الدولي أشار بدوره إلى أن الاقتصاد العراقي ينمو بما ينسجم مع أداء القطاع النفطي، ما يعني أن دورة الاقتصاد ما تزال مرتبطة عضوياً بإنتاج النفط وأسعاره أكثر من ارتباطها بقاعدة إنتاجية متنوعة ومستقلة.
وتتجلى أخطر مواطن الضعف في الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر للإيرادات العامة. فبحسب رويترز، تعتمد الدولة على مبيعات الخام لتمويل أكثر من 90% من دخلها، ومعظم إنفاقها العام. هذه الحقيقة تجعل أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير أو مسارات الشحن تهديداً مباشراً للموازنة والسيولة والقدرة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات. وفي ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أصبح هذا الخطر عملياً لا نظرياً، بعدما تراجعت صادرات وإنتاج العراق بصورة حادة نتيجة تعطل مسارات التصدير عبر الخليج.
وفي التطور الأحدث، قال وزير النفط العراقي في 12 آذار/مارس 2026 إن العراق سيُبقي إنتاجه عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً فقط، أي أقل من ثلث المستوى الذي كان عليه قبل الحرب، فيما أشارت رويترز إلى أن إنتاج الجنوب هبط بنحو 70% إلى حوالي 1.3 مليون برميل يومياً، مع لجوء بغداد إلى نقل نحو 200 ألف برميل يومياً بالشاحنات عبر تركيا وسوريا والأردن. هذه الأرقام تضع الاقتصاد العراقي أمام ضغط مالي استثنائي، لأن أي انقطاع طويل في الصادرات لا يضغط على الخزينة فقط، بل يعيد طرح أسئلة الاستدامة المالية والإنفاق العام في بلد يقوم اقتصاده الحديث على الريع النفطي.
ولا تقتصر الضغوط على قطاع النفط. فصندوق النقد توقع في أيار/مايو 2025 أن يضعف النمو غير النفطي أكثر في 2025 إلى نحو 1% فقط، بسبب تراجع أسعار النفط والقيود التمويلية وانعكاس ذلك على إنفاق الحكومة وثقة المستهلكين. كما أشار إلى أن تدهور الوضع الخارجي مرشح للضغط على الاحتياطيات الأجنبية. وهذا يعني أن الاقتصاد العراقي دخل بالفعل في مسار تباطؤ قبل الصدمة الإقليمية الأخيرة، ما يجعل أثر الحرب مضاعفاً لا منفصلاً عن المشكلات السابقة.
في المقابل، تحاول السلطات النقدية بعث رسائل طمأنة إلى السوق. فمجلس إدارة البنك المركزي العراقي قال في 8 آذار/مارس 2026 إن احتياطياته الأجنبية تغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات، وإن البنك يمتلك “الجاهزية الكاملة” والأدوات اللازمة للتعامل مع التطورات والحفاظ على استقرار الأسواق النقدية والمالية. كما أكد محافظ البنك المركزي في شباط/فبراير أن سعر الصرف الرسمي “ثابت ولن يتغير”. هذه المؤشرات مهمة لأنها تعني أن لدى العراق حتى الآن وسادة نقدية معتبرة، لكن فاعلية هذه الوسادة ستظل مرتبطة بمدة الأزمة وقدرة الدولة على إبقاء قنوات الإيراد الخارجي مفتوحة.
لكن جانباً آخر من الهشاشة يتعلق بالنظام المالي وعلاقته بالدولار. فالعراق ما يزال تحت ضغط أميركي متواصل في ملف الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال والتهريب، وقد سبق أن فُرضت قيود على عدد من المصارف العراقية في تعاملاتها بالدولار. وفي كانون الثاني/يناير 2026، كشفت رويترز أن واشنطن لوّحت أيضاً باستخدام ورقة تدفقات “الدولارات النفطية” للضغط على بغداد في سياق الصراع على النفوذ الإيراني داخل النظام السياسي العراقي. وهذا التطور لا يضيف فقط بعداً سياسياً على الاقتصاد، بل يذكّر بأن جزءاً مهماً من الاستقرار المالي العراقي يتأثر أيضاً بالعلاقة مع النظام المالي الأميركي، لا بعوامل السوق المحلية وحدها.
ومن زاوية اجتماعية، لا تبدو الأرقام الكلية كافية لإخفاء التفاوتات العميقة. فالبنك الدولي أشار إلى أن معدل الفقر الوطني انخفض إلى 17.5% في 2023/2024 من 18.9% في 2012، لكنه شدد في الوقت نفسه على استمرار الفوارق الإقليمية، مع بقاء المحافظات الجنوبية في وضع أشد هشاشة مقارنة ببقية البلاد وإقليم كردستان. وهذا يعني أن أي صدمة تضخمية أو تباطؤ اقتصادي جديد لن يوزع كلفته بالتساوي، بل سيصيب المناطق والفئات الأضعف بصورة أسرع وأقسى.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي على الاقتصاد العراقي لا يكمن فقط في تراجع إيرادات النفط أو ضغط سعر الصرف، بل في تداخل ذلك كله مع بنية اقتصادية لم تُنجز بعد انتقالها من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي. فتباطؤ الصناعة والزراعة، واتساع الاستيراد، وضعف الوساطة المصرفية، وبطء تنمية القطاع الخاص، تجعل العراق أكثر عرضة للاهتزاز كلما ارتفعت حرارة السياسة أو الحرب في المنطقة. وحتى مع وجود خطط حكومية للتنمية وجذب الاستثمار وتوسيع النشاط غير النفطي، فإن فاعلية هذه المسارات تبقى رهناً بالاستقرار السياسي والأمني والقدرة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية أعمق.
في المحصلة، يمتلك العراق موارد كبيرة واحتياطيات مريحة نسبياً، لكن هذه القوة لا تزال مقيّدة بضعف التنويع الاقتصادي وبالارتهان العالي للنفط ولحركة الدولار ولتطورات الإقليم. ولهذا تبدو المرحلة المقبلة حاسمة: فإما أن تُستثمر الصدمة الحالية لدفع إصلاحات حقيقية في المالية العامة، والنظام المصرفي، والقطاعات الإنتاجية، والبنية اللوجستية، أو يبقى الاقتصاد العراقي يدور في الحلقة نفسها؛ وفرة حين ترتفع أسعار النفط، وهشاشة كلما تعرضت المنطقة لهزة سياسية أو عسكرية جديدة.





