الادعاء العام في العراق: جهاز دستوري معطّل تحت وصاية القضاء!

لماذا يُصرّ مجلس القضاء على تعطيل واضعاف جهاز الادعاء العام؟

المستقلة/ تحقيق استقصائي/- رغم مرور أكثر من خمس سنوات على تعديل قانون الادعاء العام في العراق ومنحه صلاحيات استثنائية بموجب قانون رقم 49 لسنة 2017، لا يزال هذا الجهاز القضائي السيادي شبه معطّل، دون أن يمارس دوره الأساسي في حماية المال العام والنظام السياسي من الفساد والانحرافات القانونية. ويتصاعد الجدل حول سبب هذا الشلل: هل هو نقص في الإرادة المؤسسية؟ أم أن مجلس القضاء الأعلى يتعمّد تجميد الجهاز واستخدامه كأداة شكلية ضمن هيكل القضاء؟

من المفتش العام إلى الادعاء العام… ثم إلى الفراغ

في عام 2019، ألغى البرلمان العراقي “جهاز المفتش العام” بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بازدواجية الدور وتعطيل سير العمل التنفيذي. وبموجب القانون، نُقلت صلاحيات المفتشين إلى الادعاء العام، ليكون الجهة المسؤولة عن التحري وتحريك الدعاوى من تلقاء نفسه في قضايا الفساد والتجاوزات الإدارية. ورغم وضوح هذه الصلاحيات في القانون، فإن الواقع على الأرض يُظهر غيابًا شبه تام لأي دور فعلي لهذا الجهاز في المشهد العام.

ففي ملفات الفساد الكبرى التي كشفتها وسائل الإعلام أو تقارير ديوان الرقابة المالية، لم يسجَّل أي تحرّك استباقي أو تحقيق علني من قبل الادعاء العام، ما يطرح علامات استفهام خطيرة حول مدى استقلاليته وقدرته على أداء مهامه.

تمويل الأحزاب السياسية… ملف مسكوت عنه

من المهام الأساسية لـ جهاز الادعاء العام، وفقًا لقانونه 49 لسنة 2017، الرقابة على نزاهة العملية السياسية وتمويل الأحزاب، وهي مسؤولية استراتيجية في بلدٍ تتهم فيه كتل سياسية كبرى بتلقّي تمويل خارجي أو غسل أموال لتمويل حملاتها الانتخابية.

ورغم خطورة هذا الملف على السيادة الوطنية ونزاهة الانتخابات، لم تُسجّل أي دعوى حرّكها الادعاء العام ضد حزب سياسي خرق قانون التمويل أو تلقى أموالاً مشبوهة. بل على العكس، لا يزال الجهاز غائبًا عن أي مسار قانوني حقيقي للحد من تغوّل المال السياسي، مما دفع فقهاء القانون إلى التحذير من أن هذا الصمت “ليس حيادًا، بل تواطؤ قانوني بالصمت”.

جهاز تحت الوصاية

يشير مراقبون إلى أن السبب الجوهري لتعطيل دور الادعاء العام هو خضوعه المباشر لسلطة مجلس القضاء الأعلى، الذي يمتلك صلاحية تعيين رئيسه والإشراف على بنيته الإدارية. هذه التبعية، التي قد تكون مبرَّرة إداريًا، تحرم الجهاز من الاستقلال الحقيقي وتُفرغه من أي قوة رقابية فعلية.

ويذهب بعض المختصين، ومنهم القاضي السابق (رفض ذكر اسمه)، إلى حد القول إن “مجلس القضاء الأعلى، تحت إدارة القاضي فائق زيدان، أصبح مؤسسة تميل إلى التوسّع على حساب بقية السلطات، وهو أمر مرعب إذا ما استُخدم لقمع الأجهزة الرقابية داخل السلطة نفسها”.

صمت يهدد الثقة العامة

في دول ديمقراطية، يُعدّ الادعاء العام ضامنًا للحق العام. لكن في العراق، غيابه عن ملاحقة الفساد المالي وتمويل الأحزاب غير المشروع يقوّض ثقة الناس بالمؤسسات القضائية ويمنح الغطاء القانوني للإفلات من العقاب.

ويؤكد الخبير القانوني أحمد الطائي أن “استمرار الادعاء العام في وضع التجميد الإداري هو خيانة قانونية للدستور، وخرق لصريح مسؤولياته. الصمت ليس خيارًا حين يكون المال العام والسيادة الوطنية على المحك”.

الحاجة إلى الإصلاح الجذري

ثمة مقترح بدأ يلقى رواجًا بين المختصين يتمثل بفصل جهاز الادعاء العام عن السلطة القضائية، وتحويله إلى هيئة مستقلة أو ربطه إداريًا بوزارة العدل، بما يضمن خروجه من عباءة القضاء وتمكينه من العمل بعيدًا عن وصاية مجلس القضاء.

ويرى مؤيدو هذا المقترح أن الأمر لم يعد فنيًا أو قانونيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز، إذ أن بعض القوى السياسية تستفيد من شلل الادعاء العام لضمان الحماية من المحاسبة، واستمرار التمويل المشبوه دون مساءلة.

توصيات ضرورية

  1. تحرير جهاز الادعاء العام من هيمنة القضاء، وجعله هيئة مستقلة أو ربطه بوزارة العدل ضمن نظام يشبه “النيابة العامة” في النماذج القضائية العالمية.

  2. إلزامه قانونيًا بفتح ملفات تمويل الأحزاب، وتوثيق كل شبهة تمويل خارجي، بالتعاون مع هيئة النزاهة والبنك المركزي.

  3. إصلاح القوانين المالية لتوفير الشفافية في التبرعات والتمويل الحزبي، وإنشاء قاعدة بيانات تُتيح تتبع الأموال الانتخابية بوضوح.

  4. ضمان الحماية القانونية للمدعين العامين من الضغوط السياسية، وتوفير دعم لوجستي وفني لمباشرة مهامهم دون تدخل.

  5. تفعيل المساءلة البرلمانية لمجلس القضاء الأعلى في حال استمرار تعطيل عمل الادعاء العام.

الخلاصة: من يراقب الرقيب إذا كان الرقيب مُقيّد اليدين؟

في غياب الدور الرقابي لجهاز الادعاء العام، يبقى المال السياسي سلاحًا طليقًا بيد الأحزاب النافذة، وتظل العدالة مشلولة، تنتظر “طلب تحريك دعوى” من جهة ما، بدلًا من أن تتحرك بحكم الدستور والواجب.

إن تمكين الادعاء العام ليس رفاهًا قانونيًا، بل ضرورة وجودية لحماية النظام السياسي من التآكل الداخلي والتدخلات الخارجية، فدون رقابة فعّالة، تتحول الديمقراطية إلى واجهة زائفة، وتُترك الدولة لقوى المال والنفوذ لتتحكم بمصيرها.

زر الذهاب إلى الأعلى