
الإطار التنسيقي تحت الضغط.. الملف المالي يتحول إلى ورقة نفوذ أميركية في بغداد
المستقلة/- تتزايد مؤشرات الضغط على الإطار التنسيقي مع اتساع تأثير الإجراءات الأميركية المرتبطة بالرقابة المالية ومسارات التحويلات، في وقت بات فيه الملف المالي يتقدم بوصفه إحدى أكثر أدوات النفوذ فاعلية في علاقة واشنطن ببغداد. فبدلاً من الرسائل السياسية المباشرة، يجري توظيف أدوات الامتثال والتدقيق المالي والرقابة على حركة الدولار بما يفرض واقعاً جديداً على الاقتصاد العراقي، ويضع الحكومة والقوى الحاكمة أمام اختبار صعب يتعلق بإصلاح المنظومة المصرفية وإغلاق منافذ التلاعب.
وبحسب قراءات مصرفية، فإن تشدد التدقيق في التحويلات المرتبطة بالدولار، وما يرافقه من متطلبات امتثال أعلى، انعكس على السوق المحلية عبر تباطؤ بعض القنوات وارتفاع كلفة التحويل والتجارة، ما ساهم في توسيع مساحة الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق في فترات معينة، وفتح المجال أمام الوسطاء وشبكات الاستفادة من الاختلالات. وتؤكد مصادر مالية أن أصل المشكلة لا يتوقف عند القيود الخارجية، بل يرتبط بثغرات داخلية مزمنة في تدقيق الفواتير وتمويل الاستيراد والرقابة على التحويلات، وهي ثغرات جعلت العراق في دائرة “المخاطر المرتفعة” لدى مؤسسات مالية دولية.
سياسياً، يتحول هذا الضغط المالي إلى ورقة تأثير مباشرة على توازنات بغداد، لأن أي تشدد إضافي أو توسيع في التدقيق قد ينعكس سريعاً على السوق والاستيراد والأسعار، وهو ما يضع الحكومة أمام ضغط اجتماعي واقتصادي لا يمكن فصله عن الشرعية السياسية. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن الإطار التنسيقي يجد نفسه في موقف حرج: من جهة يرفع خطاب السيادة ورفض الإملاءات، ومن جهة أخرى يواجه حقيقة أن الاقتصاد العراقي شديد الارتباط بقنوات مالية دولية لا يمكن تجاوزها، وأن أي خلل في الامتثال يترجم فوراً إلى كلفة ملموسة على الداخل.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن واشنطن تستخدم “لغة المال” لتقليص مخاطر تهريب الدولار أو استخدامه في الالتفاف على العقوبات، فيما يرى خصوم هذا النهج أنه يتحول عملياً إلى أداة ضغط سياسية غير معلنة تعيد ترتيب قواعد اللعبة داخل العراق. وبين هذين التفسيرين، يبقى المؤكد أن الملف المالي صار مساحة صراع صامت، تُدار فيه الرسائل عبر إجراءات تدقيق وقواعد امتثال أكثر مما تُدار عبر التصريحات.
وتزداد حساسية الملف مع ما يتردد في الأوساط المصرفية عن أن جزءاً من المشكلات يرتبط بشركات واجهة وفواتير استيراد مبالغ فيها وتحويلات غير منضبطة، وهي ممارسات تضعف الثقة بالمصارف المحلية وتمنح الجهات الخارجية مبرراً لتشديد الرقابة. وفي المقابل، لا تزال الاتهامات التي تُطلق في الفضاء السياسي بشأن “غطاء نفوذ” أو “شخصيات نافذة” ضمن هذا الملف تدور في نطاق التداول غير الموثق قضائياً، فيما يشدد مصرفيون على أن الحل يبدأ من بناء منظومة تدقيق محلية قادرة على تقليل المخاطر وإعادة الاعتبار للمؤسسات المالية العراقية.
وبحسب مراقبين، فإن استمرار الضغط بهذه الصيغة يفتح أمام بغداد مسارين أحلاهما مرّ: إما الشروع بإصلاحات مصرفية حقيقية وسريعة تشمل الامتثال والحوكمة وتشديد الرقابة على تمويل التجارة وربما إعادة هيكلة المصارف الضعيفة، وإما البقاء في دائرة الاستنزاف حيث تتكرر الأزمات مع كل موجة تدقيق وتشدد، بما يعمق اضطراب السوق ويزيد كلفة الاستيراد ويضعف ثقة المستثمرين.
في المحصلة، لم يعد الملف المالي تفصيلاً تقنياً يخص البنك المركزي والمصارف فقط، بل صار ساحة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد وبالنفوذ. ومع كل خطوة رقابية جديدة، تتعزز قناعة داخل بغداد بأن اختبار الحكومة والقوى الحاكمة لم يعد مقتصراً على إدارة التحالفات، بل على القدرة على حماية الاستقرار المالي عبر إصلاحات فعلية تقلل الثغرات وتمنع تحويل “الدولار والامتثال” إلى أداة ضغط دائمة بيد الخارج.





