ارتفاع أرباح المصرف الأهلي العراقي 25%.. دعوات لتشديد الرقابة على نشاطه بالدولار

المستقلة/- كشفت نتائج المصرف الأهلي العراقي للنصف الأول من عام 2026 عن واحد من أقوى مستويات الربحية في القطاع المصرفي الخاص، لكنها بالمقابل، تفتح ملفاً رقابياً يتجاوز مقدار الأرباح إلى مصادرها، وحجم تعاملات المصرف بالعملة الأجنبية، وعلاقاته المالية داخل المجموعة المصرفية التي ينتمي إليها.

وقال المصرف في اعمام تلقت المستقلة نسخه عبر الايميل،انه حقق في الربع الثاني وحده صافي ربح بلغ نحو 67.5 مليار دينار، بارتفاع 25% عن الربع السابق، فيما بلغ إجمالي موجوداته نحو 6.8 تريليون دينار بنهاية حزيران، وفق البيانات المالية التي قدمها إلى هيئة الأوراق المالية العراقية. وكانت الهيئة قد أعلنت تسلم بياناته المالية للفصل الثاني التزاماً بمتطلبات الإفصاح في السوق.

لكن قراءة أكثر تفصيلاً للأرقام تظهر أن جانباً مهماً من النشاط يرتبط بالعمولات وبيع العملات الأجنبية، وهو ما يستدعي، بحكم حجمه، متابعة رقابية دقيقة من قبل البنك المركزي العراقي.

وبحسب بيانات منشورة استناداً إلى نتائج المصرف، باع المصرف الأهلي العراقي نحو 4.9 مليارات دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، منها 2.141 مليار دولار في الربع الأول و2.759 مليار دولار في الربع الثاني، وحقق من عمولات بيع وشراء العملات الأجنبية وحدها نحو 43.9 مليار دينار.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بحجم سوق الدولار الرسمي في العراق.

فقد بلغ إجمالي مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية خلال النصف الأول من 2026 نحو 25.9 مليار دولار، بحسب بيانات منشورة عن البنك المركزي. وإذا كانت أرقام المصرف وأرقام المركزي محتسبة على أساس قابل للمقارنة، فإن حجم العملات الأجنبية الذي مر عبر الأهلي العراقي يعادل حسابياً نحو 19% من إجمالي مبيعات العملة الأجنبية في البلاد خلال ستة أشهر.

وهذه المقارنة لا تعني وجود مخالفة، لكنها تطرح سؤالاً رقابياً مشروعاً: كيف توزعت تحويلات تقارب خمسة مليارات دولار؟ ومن هم المستفيدون النهائيون منها؟ وما نسبة التركز بين كبار العملاء؟ وما القطاعات والسلع والخدمات التي مولتها؟

السؤال يكتسب أهمية إضافية لأن تعليمات البنك المركزي الخاصة ببيع وشراء العملة الأجنبية تلزم المصارف بإجراءات للتحقق من العملاء ومصادر الأموال، فيما تضمنت تعليمات سابقة متطلبات إضافية لزبائن نافذة العملة، بينها التحقق من البيانات المالية والنشاط الاقتصادي ومصادر الأموال.

كما تظهر الأرقام أن عمولات عمليات العملة الأجنبية البالغة 43.9 مليار دينار شكلت وحدها ما يقارب 36% من صافي أرباح المصرف في النصف الأول، إذا احتسب صافي الربح للفترة بنحو 121.4 مليار دينار استناداً إلى أرباح الربعين الأول والثاني.

وفي المقابل، لم يكن نمو الإقراض بالسرعة نفسها.

فقد بلغ صافي التسهيلات الائتمانية نحو 2.96 تريليون دينار في نهاية حزيران، بارتفاع لا يتجاوز 0.7% عن الربع السابق، رغم نمو إقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وارتفعت ودائع العملاء إلى نحو 4.23 تريليون دينار.

وهنا يظهر سؤال اقتصادي يتجاوز المصرف نفسه: إلى أي مدى تتحول السيولة والودائع التي يجمعها القطاع المصرفي الخاص إلى تمويل مباشر للنشاط الإنتاجي، مقارنة بالعوائد المتحققة من التحويلات والعملة الأجنبية والخدمات المصرفية؟

ولا تتوقف الحاجة إلى التدقيق عند نافذة الدولار.

فهيئة الأوراق المالية العراقية تظهر أن بنك المال الأردني يمتلك نحو 62% من المصرف الأهلي العراقي. كما يقول المصرف نفسه إن Capital Bank يمثل بوابته إلى الأسواق العالمية ويساعده في تنفيذ التحويلات الداخلية والخارجية والتمويل التجاري.

وتشير القوائم المالية لمجموعة Capital Bank إلى أن المصرف الأهلي العراقي شركة تابعة للمجموعة بنسبة ملكية 61.85%، وأن المجموعة تجري معاملات مع أطراف ذات علاقة وفق سياسات وشروط تعتمدها إدارتها.

وهذا الهيكل لا يمثل في ذاته مخالفة أو دليلاً على نقل أرباح، لكنه يجعل المعاملات العابرة للحدود مع الشركة الأم والأطراف المرتبطة والمصارف المراسلة ملفاً يستحق تدقيقاً مستقلاً، خصوصاً مع الحجم الكبير للتحويلات الخارجية.

ومن بين المسائل التي يفترض أن تكشفها الرقابة: قيمة الأرصدة والتحويلات بين المصرف والشركة الأم والأطراف المرتبطة، والعمولات المدفوعة والمستوفاة بينها، وأسعار الخدمات المصرفية المقدمة داخل المجموعة، ومدى تطبيق مبدأ التعامل بالسعر التجاري المستقل، فضلاً عن تحديد المستفيد النهائي من التحويلات الخارجية الكبيرة.

وتثير الميزانية كذلك مسألة أخرى تحتاج إلى تفسير.

فقد ارتفعت الأموال المقترضة لدى المصرف إلى نحو 365.3 مليار دينار بنهاية النصف الأول، بعد أكثر من تضاعفها، مع زيادة الاقتراض من البنك المركزي العراقي، بالتزامن مع وصول النقد والأرصدة إلى نحو 2.4 تريليون دينار.

لكن ارتفاع الاقتراض من البنك المركزي لا يمثل بمفرده مؤشراً على مشكلة سيولة؛ إذ تظهر قوائم المصرف أن جزءاً من تمويل البنك المركزي يرتبط بمبادرات لإعادة إقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ولذلك فإن المطلوب رقابياً هو نشر تفاصيل مصادر هذه الأموال وكلفتها وآجالها والجهات التي أعيد إقراضها لها.

ورغم تراجع العائد على متوسط حقوق الملكية من 41.9% في النصف الأول من 2025 إلى 26.6% في الفترة نفسها من 2026، بقي المصرف، بحسب البيانات المقدمة، في مقدمة المصارف التجارية المدرجة من حيث العائد على حقوق الملكية.

ولا تمثل الربحية المرتفعة بحد ذاتها سبباً للشك أو دليلاً على خلل. بل إن المصرف يتمتع أيضاً بمؤشرات رأسمالية قوية؛ إذ بلغت نسبة كفاية رأس المال التنظيمي نحو 20.64%، وهي أعلى من الحد الأدنى المشار إليه في بياناته.

لكن ضخامة النشاط المالي تجعل مستوى الرقابة المطلوب أعلى، لا أقل.

وينص قانون البنك المركزي العراقي على أن المركزي يمتلك حصراً سلطة تنظيم المصارف والإشراف عليها وفحصها وتفتيشها والمطالبة بالمعلومات التي يحتاج إليها. كما ينص قانون المصارف على إجراء عمليات تفتيش للمصارف بصورة مستمرة وعلى الأقل مرة سنوياً، مع صلاحية المفتشين في طلب الدفاتر والحسابات والسجلات والوثائق الضرورية.

كما تقول دائرة الرقابة على المصارف في البنك المركزي إن مهامها تشمل التدقيق في الميزانيات الفصلية والحسابات الختامية، والتفتيش الميداني، ومراقبة المخاطر، وفحص أنظمة مكافحة غسل الأموال والامتثال.

ومن هنا، فإن نتائج الأهلي العراقي تستدعي من البنك المركزي وهيئة الأوراق المالية التأكد بصورة تفصيلية من مصادر العمولات، وملفات التحويلات الخارجية، والمستفيدين الحقيقيين، وتركز التعاملات، والمعاملات مع الأطراف ذات العلاقة، وجودة محفظة الائتمان، وأسباب انخفاض خسائر انخفاض القيمة، وطبيعة الأموال المقترضة من البنك المركزي وكيفية استخدامها.

فالرقابة المصرفية لا تبدأ عندما تظهر الخسائر.

وعندما يتعامل مصرف واحد مع مليارات الدولارات ويحقق عوائد مرتفعة في سوق مصرفية تخضع لإعادة هيكلة واسعة، فإن الشفافية والتدقيق التفصيلي يصبحان ضرورة لحماية المصرف نفسه والمودعين والمال العام وسمعة النظام المالي العراقي.

ولا تتوافر في المصادر التي راجعتها معلومات تثبت وجود مخالفة مالية أو قانونية لدى المصرف الأهلي العراقي، ولم يتسن للمستقلة التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل المستفيدين من التحويلات أو المعاملات الداخلية للمجموعة. ولذلك تبقى الأسئلة المطروحة مطالب رقابية للتحقق والإفصاح وليست اتهامات للمصرف أو إدارته.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى