واشنطن تستعد لضرب إيران مجدداً.. هل يدفع فشل الجمهوريين الانتخابي ترامب نحو حرب جديدة؟

المستقلة/- تتصاعد المخاوف من دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة عسكرية جديدة، في ظل تقارير غربية تتحدث عن استكمال واشنطن استعدادات لشن ضربات محتملة ضد أهداف إيرانية، بالتزامن مع تحول سياسي كبير داخل الولايات المتحدة عقب خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي.
وكشفت مصادر غربية وصفتها شبكة «إرم نيوز» بأنها وثيقة الصلة بمراكز القرار في واشنطن، عن استكمال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتنسيق مع القيادة العسكرية، استعدادات لوجستية وعسكرية لاحتمال استئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران.
وبحسب المصادر، فإن التحضيرات تضمنت مراجعة الخطط العسكرية وتحريك وحدات إضافية من القوات والمعدات المتطورة إلى منطقة الشرق الأوسط، في خطوة تعكس استعداد الإدارة الأمريكية للتعامل مع سيناريوهات تصعيدية متعددة.
وفي سياق متصل، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن دبلوماسيين أن مسؤولين أمريكيين حذروا دولاً حليفة في الشرق الأوسط من احتمال استئناف الضربات ضد إيران بعد الانتخابات الأمريكية، وما قد يتبعها من رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية. وأكد التقرير أن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن شن الهجمات.
وتضع هذه التطورات المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، خصوصاً مع احتمال امتداد أي مواجهة عسكرية جديدة إلى دول الجوار، وتهديد طرق إمدادات الطاقة والملاحة البحرية في الخليج.
خسارة انتخابية تعقّد حسابات ترامب

تكتسب التحركات العسكرية الأمريكية أهمية إضافية بعد النتائج التي أفرزتها انتخابات التجديد النصفي، في 3 تشرين الثاني 2026، والتي انتهت بفوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بحسب إعلان وكالة أسوشيتد برس.

وتشكل هذه النتائج انتكاسة سياسية للحزب الجمهوري، وتضع إدارة ترامب أمام مرحلة جديدة من الرقابة التشريعية والمعارضة السياسية، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالإنفاق العسكري والسياسة الخارجية.

ويثير التزامن بين هذه النتائج والتعزيزات العسكرية تساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيتجه إلى تصعيد المواجهة الخارجية لتعزيز صورته السياسية، أم سيفضل استخدام الحشود العسكرية كورقة ضغط تفاوضية على إيران.

ورغم أن نتائج الانتخابات تغير ميزان القوى داخل الكونغرس، فإن أعضاء المجلس المنتخبين حديثاً لن يتولوا مهامهم التشريعية إلا مع بدء الدورة الجديدة في كانون الثاني 2027، وهو ما يمنح المرحلة الانتقالية الحالية أهمية خاصة في حسابات الإدارة الأمريكية.

هل يلجأ ترامب إلى التصعيد لتعويض خسائره؟

تطرح بعض التحليلات السياسية احتمال أن تسهم الخسارة الانتخابية في دفع الرئيس الأمريكي نحو تبني سياسة خارجية أكثر تشدداً، بهدف استعادة المبادرة وتحويل الاهتمام السياسي والإعلامي نحو قضايا الأمن القومي.

وتستند هذه القراءة إلى مفهوم معروف في العلوم السياسية، يتمثل في احتمال ارتفاع التأييد الداخلي للقيادة خلال الأزمات الخارجية، خصوصاً عندما تُقدَّم المواجهة باعتبارها مرتبطة بالأمن القومي.

غير أن هذا السيناريو لا يمثل نتيجة حتمية، إذ قد تؤدي العمليات العسكرية إلى نتائج عكسية إذا تسببت في خسائر بشرية أو ارتفاع أسعار الطاقة أو توسيع نطاق الصراع.

وبحسب التحليل الذي نشرته «إرم نيوز»، فإن أحد الاحتمالات المطروحة يتمثل في رغبة ترامب في تجنب الظهور بموقع الضعف السياسي بعد خسارة الجمهوريين، مع محاولة فرض شروط أكثر صرامة على طهران.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن التحركات العسكرية الحالية مرتبطة مباشرة برغبة الرئيس الأمريكي في تعويض خسائره الانتخابية.

تحركات عسكرية تتجاوز رسائل التهديد

لم تعد الاستعدادات الأمريكية مقتصرة على التصريحات السياسية، إذ شهدت المنطقة خلال الأسابيع الماضية تعزيزات عسكرية شملت قطعاً بحرية وقوات إضافية وأنظمة دفاعية.

وكانت وكالة أسوشيتد برس قد أفادت بإرسال نحو 9 آلاف عسكري أمريكي إضافي إلى الشرق الأوسط، بينهم عناصر من القوات البحرية ومشاة البحرية، ضمن تحركات تعزز الوجود العسكري الأمريكي وتوسع الخيارات المتاحة أمام القيادة السياسية في واشنطن.

وسبق أن نفذت القوات الأمريكية، في 2 تشرين الثاني الجاري، ضربات محدودة ضد أهداف إيرانية في جزيرة قشم قرب مضيق هرمز، قالت مصادر أمريكية إنها استهدفت قدرات صاروخية شكلت تهديداً للقوات الأمريكية.

ورغم محدودية تلك الضربات، فإنها تؤكد استمرار العمليات العسكرية المتقطعة، وتبرز هشاشة التهدئة القائمة بين الطرفين.

لكن الجاهزية العسكرية لا تعني بالضرورة أن قرار إطلاق حملة واسعة قد صدر بالفعل، إذ تظل هناك فروق بين إعداد الخطط العملياتية ونشر القوات وإصدار الأوامر النهائية بالتنفيذ.

البنتاغون أمام حسابات حرب إقليمية

تمثل احتمالات الرد الإيراني أحد أبرز العوامل المؤثرة في الحسابات الأمريكية بشأن استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق.

فأي هجوم كبير قد يدفع طهران إلى توسيع نطاق ردها باتجاه القواعد العسكرية الأمريكية أو المصالح المرتبطة بواشنطن في المنطقة، الأمر الذي قد يحول المواجهة إلى صراع إقليمي أوسع.

وتزداد حساسية هذا السيناريو في ظل وجود قوات أمريكية في عدد من دول الشرق الأوسط، فضلاً عن أهمية مضيق هرمز لحركة النفط والتجارة العالمية.

وكان تحليل نشرته رويترز في 2 تشرين الثاني قد أشار إلى مخاوف لدى دول الخليج من أن يؤدي استئناف الحرب إلى تعرض القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة لضربات انتقامية، بما يضع الدول المستضيفة للقوات الأمريكية في مواجهة تداعيات صراع لا ترغب في توسيعه.

العراق في دائرة التداعيات المحتملة

بالنسبة إلى العراق، فإن أي تصعيد أمريكي إيراني جديد يحمل تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته مع الطرفين، فضلاً عن وجود فصائل مسلحة عراقية مرتبطة بمحور إيران.

وقد يؤدي اتساع العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط على بغداد للحفاظ على أراضيها بعيداً عن المواجهة، ومنع استخدامها في تنفيذ هجمات متبادلة.

كما يمكن أن ينعكس التصعيد على حركة الطيران والملاحة والتجارة وأسعار الطاقة، إلى جانب المخاوف المرتبطة باستقرار الأسواق المالية.

وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر إيرادات إضافية للدول المصدرة، ومنها العراق، لكنه قد يترافق مع اضطرابات في حركة التصدير وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما يجعل الحصيلة الاقتصادية النهائية مرتبطة بحجم المواجهة ومدتها.

النفط ومضيق هرمز.. أخطر أوراق المواجهة

يحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في الحسابات العسكرية والاقتصادية للأزمة، نظراً إلى أهميته في نقل إمدادات الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية.

وفي حال تجدد الهجمات بصورة واسعة، فإن أي اضطراب إضافي في الملاحة أو منشآت الطاقة قد يدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر أعلى، الأمر الذي يزيد الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ويضع ذلك ترامب أمام معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري قد يمنحه نفوذاً تفاوضياً إضافياً، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الوقود، وهو ملف كان حاضراً بقوة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

وأشارت أسوشيتد برس إلى أن الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة ساهما في حالة الاستياء الانتخابي التي واجهها الجمهوريون، ما يجعل أي تصعيد جديد محفوفاً بمخاطر سياسية داخلية.

الدبلوماسية لم تغلق أبوابها

رغم التحركات العسكرية، لا تزال الوساطة الدبلوماسية قائمة.

فقد نقلت رويترز، في 5 تشرين الثاني، عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قدمت مقترحاً بشأن الملف النووي إلى واشنطن عبر قطر، في وقت تستمر الخلافات بشأن العقوبات والحصار البحري والأموال الإيرانية المجمدة والبرنامج النووي.

وتتمسك إيران بشروطها قبل استئناف التفاوض، بينما تصر واشنطن على إدراج القضايا النووية ضمن أي تفاهم أولي.

ويعكس استمرار الاتصالات وجود مسار سياسي موازٍ للحشد العسكري، وإن كانت الفجوة بين شروط الطرفين لا تزال واسعة

ثلاثة سيناريوهات أمام ترامب

يمكن قراءة الخيارات الأمريكية خلال المرحلة المقبلة ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: تصعيد عسكري واسع. ويتمثل في استئناف ضربات جوية مكثفة ضد أهداف عسكرية واستراتيجية إيرانية، وهو خيار قد يحمل مخاطر توسع المواجهة وردود انتقامية إقليمية.

السيناريو الثاني: ضربات محدودة ومركزة. ويقوم على استهداف مواقع محددة بهدف تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وزيادة الضغط على طهران، دون إعلان العودة إلى حملة عسكرية شاملة.

السيناريو الثالث: استمرار الضغط العسكري والتفاوض. ويتمثل في المحافظة على الانتشار العسكري والحصار البحري والتهديد باستخدام القوة، مع منح الوساطات الإقليمية فرصة للتوصل إلى تسوية.

وتشير التصريحات الأمريكية الأخيرة واستمرار الاتصالات الدبلوماسية إلى أن الخيارات الثلاثة لا تزال مطروحة، دون وجود إعلان رسمي عن اختيار أحدها بصورة نهائية.

واشنطن وطهران أمام مرحلة حاسمة

تضع نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة إدارة ترامب أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً، بالتزامن مع وجود خيارات عسكرية جاهزة واحتمالات تصعيد قد تتجاوز الحدود الإيرانية.

وبين رغبة واشنطن في انتزاع تنازلات استراتيجية من طهران، ومخاوف الحلفاء من تداعيات الحرب، واستمرار الوساطة القطرية، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة العسكرية على توجيه ضربات جديدة لإيران، بل ما إذا كان ترامب مستعداً لتحمل نتائج هذه الضربات في الداخل الأمريكي والمنطقة.

وفي ظل غياب قرار معلن بشن عملية واسعة، تبقى التعزيزات العسكرية الأمريكية رسالة ضغط وردع، لكنها في الوقت نفسه ترفع احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى جولة جديدة من المواجهة.

وقد يكون مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع المقبلة مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل التهديد العسكري إلى تسوية سياسية، قبل أن تفرض التطورات الميدانية مساراً يصعب احتواؤه.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى