نوري المالكي بين مرحلتين: من الأمن إلى الإصلاح الاقتصادي!

المستقلة /- لا يزال نوري المالكي واحدًا من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في العراق، بعد سنوات على خروجه من رئاسة الحكومة. وبينما برز اسمه سابقًا في سياق المواجهة مع أخطر موجات العنف والانقسام الداخلي، فإن السياق الحالي يعيد طرح اسمه في لحظة مختلفة تمامًا.

فالتحديات الأمنية لم تعد مركزية كما في السابق، بينما تصعد الأزمة الاقتصادية والمالية إلى صدارة المشهد، فارضةً على كل من يسعى إلى دور قيادي أن يعيد تعريف أدواته وأولوياته.

مرحلة الانهيار الأمني السابق

تسلّم المالكي منصبه عام 2006، في ذروة التوترات الطائفية والانهيار الأمني. كانت الدولة تواجه خطر التفكك، والمؤسسات الرسمية فاقدة للسيطرة. في تلك اللحظة، اختار المالكي طريقًا واضحًا: فرض مركزية صارمة، وتركيز القرار في يد رئاسة الحكومة، باعتباره السبيل الوحيد لاستعادة شيء من النظام. هذا النهج أعاد الدولة جزئيًا إلى المشهد، لكنه جاء على حساب بناء مؤسسات مستقلة قادرة على البقاء خارج الشخصنة السياسية.

موارد مالية أنقذت الموقف

رغم التحديات، امتلك العراق حينها وفرة مالية وفّرتها عائدات النفط المرتفعة. هذه الوفرة سمحت للحكومة بتوسيع الإنفاق العام، واحتواء المطالب الاجتماعية والسياسية دون الحاجة إلى إصلاحات هيكلية. تمكّن المالكي من استخدام هذه الموارد كأداة لضبط التوازنات الداخلية، لكنها كانت حلولًا مؤقتة أخّرت التعامل مع أزمات البنية الاقتصادية التي ظلت كامنة، حتى انفجرت تدريجيًا بعد سنوات من التراكم والإهمال.

تحوّل التحدي إلى الاقتصاد

اليوم، يجد المالكي – وغيره من السياسيين – أنفسهم أمام تحدٍّ مختلف تمامًا. لم يعد الأمن هو العنوان الأبرز، بل الاقتصاد. الدولة العراقية تواجه أزمة بنيوية حادة، قوامها اقتصاد ريعي، واعتماد شبه كلي على النفط، وتضخم في القطاع العام. معدلات البطالة مرتفعة، والخدمات العامة منهارة، والطبقة الوسطى تنكمش. هذه المعطيات تُجبر أي فاعل سياسي على مراجعة أدواته القديمة، وتبنّي مقاربات جديدة لا تقوم على السيطرة، بل على الإصلاح الحقيقي.

الفساد يعيق أي إصلاح

لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي في العراق دون مواجهة جدية للفساد. هذا التحدي لا يقتصر على استنزاف المال العام، بل يمتد إلى تقويض ثقة المواطن بالدولة، وتدمير البيئة الإدارية. سنوات من التراخي والتسييس أفرغت المؤسسات من مضمونها، ورسّخت ثقافة الإفلات من العقاب. أمام هذا الواقع، تبدو أي مبادرة إصلاحية بلا جدوى ما لم تُربَط بإرادة سياسية واضحة لمواجهة الفساد، مهما كانت كلفتها السياسية.

الحكم بحاجة لإعادة تعريف

القيادة في هذه المرحلة تتطلب مهارات مختلفة عما كان سائدًا في فترات العنف. لم تعد الدولة بحاجة إلى “رجل حسم”، بل إلى “رجل إدارة”. فالمطلوب اليوم هو قيادة تقبل بتوزيع الصلاحيات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، والقيام بإصلاحات قد تكون غير شعبية على المدى القصير، لكنها ضرورية على المدى الطويل. السياسة لم تعد تدار بردود الفعل، بل بالتخطيط والسياسات العامة طويلة الأمد.

تغيّر في نظرة الخارج

السياسة الدولية تجاه العراق تغيّرت أيضًا. فالشركاء الدوليون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، لم يعودوا يبحثون عن حلفاء أقوياء بمفهوم القوة التقليدية، بل عن حكومات مستقرة، قادرة على إدارة شؤونها وتجنّب التورط في صراعات إقليمية. المالكي، الذي خَبِرَ العمل مع الإدارة الأميركية في فترات مختلفة، قد يجد نفسه مضطرًا لتقديم نموذج أكثر انسجامًا مع المتغيرات الدولية الجديدة، حيث لم يعد الأشخاص هم محور العلاقة، بل الأداء المؤسسي.

هل المالكي جاهز للتحول؟

السؤال المركزي في هذا السياق هو: هل يدرك المالكي حجم التحول المطلوب؟ وهل يمكنه الانتقال من مرحلة كان يُعرّف فيها دوره بقدرته على الإمساك بالأمن، إلى مرحلة تتطلب الانفتاح على مفاهيم الحكم الرشيد؟ تجربته الطويلة قد تمنحه خبرة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا بقي أسيرًا لأسلوب الحكم الذي مارسه في السابق. النجاح في المرحلة الجديدة يتطلب الاعتراف بأن أدوات الماضي لم تعد صالحة لمواجهة تحديات الحاضر.

خاتمة: اختبار الدولة والزعيم

التحول من دولة الأزمات الأمنية إلى دولة المؤسسات والإصلاح الاقتصادي لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة جادة وقدرة على التغيير. نوري المالكي أمام لحظة فاصلة: إما أن يعيد تعريف نفسه كقائد إصلاحي، أو أن يبقى جزءًا من مرحلة تجاوزها الزمن. المسألة لا تتعلق بمصيره السياسي فقط، بل بمصير العراق كدولة تسعى للخروج من أزمتها المركبة. والعبرة، كما دائمًا، في القدرة على التكيّف مع الزمن لا مقاومته.

زر الذهاب إلى الأعلى