نستولوجيا مردوخ ومرابع الصبا

نزار عبد الغفار السامرائي

رغم أن عبد الحسين بريسم صنف كتابه (منفى مردوخ) على أنه رواية، الا أن المبنى السردي يضعك امام نص يحتفي بالمكان، يعبر عن حنين الكاتب الى مرابع الصبا الأولى في مدينة العمارة حيث تترادف الصور بلغة جميلة، لتستذكر مشاهد وأماكن مرّ بها الكاتب وكأنه يتجول في ذاكرته ليعيد ترتيب أوراق كتبها سابقا للتغزل بمدينته الام العمارة…

ينتقل بنا الكاتب من السوق المسكوف، وتاريخه، الى كازينو نوشي حيث يجلس الشعراء الشباب، بعد “عصاري شارع التربية” ليتحاوروا حول “الشعر، وبغداد، والحكايات القديمة” وسط “أصوات الطيور من السوق المسكوف” التي تتسلل من “النوافذ المفتوحة”…

واذا كانت امسيات نوشي تجمع الشباب للنقاش فأن الكاتب ينزل الى نهر المشرح مع الصابئة المندائيون للاغتسال والطاهرة في عيد الـ”برونيا” وهم يرتدون ثيابهم البيض في طقوس تمتد بعمق التاريخ الى حضارات كانت تسكن هذه الأرض، فاختفى وجودها وبقيت حاضرة بالطقوس التي يمارسها الناس.

يتنقل الكاتب بين الأسواق، والمقاهي، والكنائس، والمقابر، والمكتبات، ليؤرخ لمدينة تجد ماضيها اجمل من حاضرها، ” استمع حديث الرجال عن الماضي، وأضحك في سري: كلهم يتفقون أن الماضي كان أجمل، ولا أحد يريد العودة اليه لاحقا، ربما لأننا نخاف أن نكتشف أننا كنا أقل شجاعة مما نتذكر”

“مردوخ” في منفاه، لا ينسى ذلك الماضي الذي عاشه، هو يراه جميلا، ربما لأنه الان ينظر اليه بعيون الصبا بعدما ترادفت عليه السنون وجعلته ينتقل من مكان الى مكان، وحنينه دوما لأول منزل في مدينته التي عاش فيها، وسكنت روحه وذاكرته، لأنه فهم ” أن ميسان لا تهجر أحدا، الناس فقط من يظنون انهم يغادرونها، لكنهم يعودون دائما في الحكايات، في الأسواق، في الأزقة القديمة، وفي هذا الجوع الذي لا يشبع”.

لذلك هو يقر بأن المنفى لم يكن “مكانا بعيدا بقدر ما كان مسافة بين الإنسان وذكرياته”   لذلك فأن أسماء الشوارع والأماكن والأشخاص هي من يتردد في صدى الذاكرة ليبقي كلّ شيء كما كان قبل أن يغادر “مردوخ” المدينة وكأن الزمان قد توقف عند لحظات فارقة كصور فوتوغرافية انطبعت احتفظ بها في “البوم” داخل الذاكرة ليهرع اليها كلما شده الحنين الى ميسان، رغم أن المسافة ليست ببعيدة بين “المنفى” الذي اختاره، والمدينة التي بقيت حاضرة في وجدانه، ليروي على (90) صفحة علاقة لا يمكن أن تفصم عراها بين الكاتب/الشاعر والمدينة التي احبها.

حين أكملت قراءة “منفى مردوخ” لم أجد سبيل للتخلص من ترادف الذكريات عن كل المناطق التي راح عبد الحسين بريسم يستذكرها، من شارع بغداد، الى شارع التربية، الى المكتبة العصرية والراحل حيدر حسين، مرورا بالسراي وحي المعلمين والجديدة والاسكان، وبقية الأماكن، ولا مناص من تريد قول الشاعر:

“نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى … ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يألفه الفَتى … وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ”

 

الكتاب: منفى مردوخ

الكاتب: عبد الحسين بريسم

دار النشر: دار وتريات -2026

زر الذهاب إلى الأعلى