ما الغاية من حرمان 4 ملايين عراقي من التصويت في الانتخابات؟

المستقلة /-أثار قرار المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية الخاص بمنع مواطني العراق المقيمين في الخارج من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المبكرة  كثيرا من التساؤلات، لتنقسم الآراء بشأنه ما بين من يرى أنّه خطوة لمنع عمليات التزوير والحفاظ على نزاهة الانتخابات ومن يقول إنه إقصاء للحقوق الأساسية والدستورية التي كفلها دستور البلاد.

وكان مجلس المفوضين قد قرر في جلسته الاستثنائية المنعقدة في 22 مارس/آذار الماضي عدم إجراء انتخابات مجلس النواب لعراقيي الخارج، وأرجع القرار لأسباب فنية وقانونية ومالية وصحية.

مبرّرات المفوضية
وفي الدورات الانتخابية التشريعية العراقية الأربع السابقة، أدلى العراقيون المقيمون في الخارج بأصواتهم في مراكز اقتراع خُصّصت لهم، ورغم عدم وجود إحصائية رسمية تكشف عن أعدادهم بشكل دقيق، فإنّ مصدرا رفيع المستوى في وزارة الخارجية العراقية يقول إن عدد من شاركوا في انتخابات 2018 الأخيرة تجاوز 600 ألف شخص موزعين على 21 دولة في أنحاء العالم.

وجاءت هذه الإحصائية بالاعتماد على اللجان التي شكلتها وزارة الخارجية آنذاك -حسب تأكيد المصدر للجزيرة نت- وتم تقييم عدد المشاركين في هذه الانتخابات أيضا على النسبة نفسها.

من جانبها، لا توجد أي إحصائيات أو بيانات رسمية لدى وزارة التخطيط لعدد العراقيين المقيمين في الخارج، ونسبة الذين يحقّ لهم المشاركة في الانتخابات كما يقول المتحدث الرسمي باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي للجزيرة نت.

غير أن رئيس المفوضية الأسبق عادل اللامي ذكر للجزيرة نت أن عدد العراقيين المقيمين في الخارج يقدّر بـ4 ملايين، وعدد الذين يحق لهم التصويت نحو مليونين ونصف المليون.

ولكنّ مفوضية الانتخابات بررّت موقفها بحرمان المغتربين من التصويت بالأوضاع الحرجة التي صادفتها، في مقدمتها توسّع رقعة جائحة كورونا الذي أدى إلى الإغلاق الجزئي في العالم، مما صعّب على المفوضية استخراج البطاقات البيومترية لناخبي الخارج، وفقا نبراس أبو سودة مساعدة الناطق الرسمي باسم المفوضية.

أبو سودة قالت للجزيرة نت إن المفوضية خصصت لجنة لهذا الأمر وأعدّت المخاطبات والإجراءات المطلوبة المتعلقة به، لكنها لم تستطع إرسال كوادرها لإجراء عملية التحديث للناخبين، لعدم توفر المكان الملائم لاستقبال المفوضية ومراجعيها في السفارات العراقية.

نسبة التزوير
يُعتقد أن التزوير في انتخابات الخارج في الدورات الأربع الماضية بلغ مستوى عاليا، فضلا عن تدنّي عدد المشاركين فيها مع تكلفتها المالية العالية على المفوضية، وبالاستناد إلى هذه العوامل يصف رئيس المفوضية السابق عادل اللامي قرار المفوضية بـ”الحكيم” لأنه يمنع عمليات التزوير كما حدث في انتخابات 2018.

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت المفوضية إلى إصدار هذا القرار أنها تعتمد حسب القانون على حصر عملية التصويت لحاملي البطاقة البيومترية فقط، ونسبة قليلة من مواطني المهجر حدّثوا بطاقاتهم -حسب اللامي- وطالب في حديثه للجزيرة نت المفوضية أن تُرتّب آلية جديدة ومناسبة تسمح لناخبي الخارج بالمشاركة في الانتخابات في السنوات القادمة.

ومن الخطوات التي يقترحها اللامي على المفوضية بمساعدة الحكومة أن تفتح مراكز لتسجل الناخبين في عموم دول العالم ليتمكنوا من الحصول على البطاقة البيومترية، وبعدئذ يكون هناك تصويت إلكتروني باستخدام بطاقة محكمة يمنع اختراقها، ومن ثم إجراء التصويت من دون الحاجة إلى فتح مراكز اقتراع.

ويقول رئيس المفوضية السابق إن قليلا من دول العالم تجري انتخابات لمواطنيها في الخارج باستثناء المبتعثين من البعثات الدبلوماسية ومن مثلهم بفتح مراكز محدّدة لهم قرب سفاراتها في تلك الدول لمشاركة هذه الشرائح البسيطة.

إقصاء للحقوق
ورغم أن الصحفي العراقي المقيم في ألمانيا سامان داود يتفق مع اللامي في زاوية واحدة من هذا القرار وهي أنه يمنع كثيرا من السياسيين الكبار في العراق ومن خلال علاقاتهم وشبكاتهم المنتشرة في العالم من إجراء تزوير مثل الذي حدث في 2018، فإنه يختلف معه في نقطة أخرى هي أن القرار بمنزلة “إقصاء” لعراقيي الخارج من حق التعبير عن الرأي.

ويركز داود في حديثه للجزيرة نت على أن النسبة الأكبر من المتضررين من هذا القرار هم الأقليات الدينية مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين لأنّهم هاجروا إلى خارج البلد بأعداد كبيرة في السنوات الماضية بسبب الأوضاع الأمنية التي شهدتها مناطقهم.

واستدرك داود بالقول إنه قد يكون من محاسن هذا القرار أنه لدورة واحدة فقط، وهذا ما يعطي الأمل بحفظ حق التصويت للمغتربين في الدورات التالية، ويدعو الحكومة العراقية المقبلة إلى تنظيم أوضاع المهاجرين لمعرفة أعدادهم الحقيقية، واعتماد آلية تمنع فيها التزوير في الانتخابات.

من جانبه، ينتقد الأكاديمي والمحلل السياسي العراقي الدكتور محمد الحياني قرار المفوضية، ويقول إنه غير صحيح البتة ولا يدخل ضمن الإطار الوطني لانتخابات حقيقية وشفافة، ويصفه بأنه انتهاك للحقوق الأساسية للمواطن التي كفلها الدستور.

ومن الأسباب التي دفعت الحياني لانتقاد قرار المفوضية أن نسبة عالية من المغتربين من المحافظات المنتفضة أو التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ومن ثم فحرمانهم من المشاركة سيؤثر في نسبة التمثيل لمناطقهم سلبًا لمصلحة الأحزاب والكتل الأخرى.

وبدلا من إصدار قرار يمنع المغتربين من المشاركة في الانتخابات كان الأجدر على المفوضية -وفقًا لحديث الحياني للجزيرة نت- أن تُشكل رقابة صارمة على الانتخابات في حال كان القرار لمنع عمليات التزوير في الخارج.

واعتمدت المفوضية على آلية جديدة في هذه الانتخابات تتضمن تقسيم البلاد الى 83 دائرة انتخابية. بمشاركة 21 تحالفا و167 حزبا منها 58 ضمن التحالفات المذكورة.

مع ترشيح 3249 مرشحاً فيها، بينهم 951 امرأة. بعد إلغاء آلية “سانت ليغو” (Sainte-Laguë) والتي تتضمّن طريقة توزيع المقاعد على القوائم المتنافسة ضمن قانون الانتخابات، واستفادت منها حينها القوائم والكتل الانتخابية الكبيرة.

وستدفع الأمم المتحدة بـ800 مراقب أممي للمشاركة في مراقبة الانتخابات العراقية إضافة إلى مراقبين آخرين من جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وجميعهم سيتولون مهمة تقديم الإمكانيات الفنية للمحطات الانتخابية ورصد التجاوزات وحالات التزوير.

 

التعليقات مغلقة.