كنز عطري يواجه الزوال.. لماذا أصبح مخزون اللبان العالمي مهدداً بالنفاد؟

المستقلة/- يواجه مخزون اللبان العالمي تهديداً متزايداً بالنفاد، في ظل مزيج معقد من الاستغلال المفرط، وتغير المناخ، وضعف القوانين الناظمة، وارتفاع الطلب العالمي على هذه المادة العطرية النفيسة التي استخدمت لآلاف السنين في الطقوس الدينية والعلاجات التقليدية والصناعات الصحية الحديثة.

في بلدة دايها الصغيرة بمنطقة سناغ في أرض الصومال، يكرس المزارع سالابان صلاد موسى حياته لجمع اللبان من أشجار البوسويليا البرية، وهي الشجرة الوحيدة التي تنتج هذا الصمغ العطري. وعلى مدى ثلاثة إلى ستة أشهر سنوياً، يعيش سالابان في كهف قريب من أرض عائلته، متنقلاً بين الأشجار لفحصها وتنظيفها وحمايتها من الآفات، في مهنة توارثتها عائلته عبر أجيال.

لكن هذا النمط التقليدي بات مهدداً. فوفق دراسات علمية حديثة، تتعرض أشجار البوسويليا لعملية استنزاف تفوق قدرتها الطبيعية على التعافي، نتيجة الحصاد المكثف وغير المنظم. وأشارت تقارير بحثية إلى أن تعافي الشجرة الواحدة قد يستغرق أكثر من عشر سنوات بعد الحصاد المفرط، فيما تفشل آلاف الأشجار في إنتاج شتلات جديدة، ما ينذر بانهيار النظام البيئي المرتبط بها.

ويُعد القرن الأفريقي، بما يشمل أرض الصومال وإثيوبيا والسودان، أحد أهم مصادر اللبان في العالم. إلا أن التوترات المحلية، وضعف العوائد المالية للمزارعين، وغياب الرقابة الحكومية، أدت إلى اعتماد أساليب استخراج غير مستدامة، دفعت كثيرين إلى إلحاق أضرار طويلة الأمد بالأشجار لضمان دخل فوري.

وتفاقم تغير المناخ من حدة الأزمة، حيث تؤثر موجات الجفاف، والفيضانات المفاجئة، وانتشار الآفات الحشرية، على المناطق التي تنمو فيها أشجار البوسويليا. وأظهرت دراسة نُشرت في مجلة “نيتشر” أن أكثر من 75% من أشجار اللبان في بعض المناطق لا تتجدد طبيعياً، ما يعكس اختلالاً بيئياً خطيراً.

ورغم أن سوق اللبان العالمي قُدّر بنحو 363 مليون دولار عام 2023، مع توقعات بتجاوزه 700 مليون دولار بحلول عام 2032، فإن جامعي اللبان يحصلون على نسبة ضئيلة جداً من هذه العوائد، لا تتجاوز 3% من السعر النهائي، وفق خبراء في سلاسل التوريد. هذا التفاوت يدفع المزارعين إلى زيادة الإنتاج على حساب الاستدامة.

تابع وكالة الصحافة المستقلة على الفيسبوك .. اضغط هنا

ويرى باحثون أن الحل يكمن في تطوير أنظمة تتبع وإنتاج مستدام، وتشجيع زراعة أشجار اللبان بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الأشجار البرية، إلى جانب إنشاء شهادات دولية تضمن عدالة الأسعار وحماية البيئة.

وفي ظل استمرار الطلب العالمي المتصاعد، يحذر الخبراء من أن اللبان، الذي كان رمزاً روحياً وثقافياً عبر التاريخ، قد يتحول خلال عقود قليلة إلى مورد نادر، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لحماية مصدره الطبيعي وضمان استدامته للأجيال القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى