
زيارة قيس الخزعلي إلى إيران: اختبار السيادة وصراع القوى داخل الإطار
المستقلة/ تحليل سياسي/- زيارة قيس الخزعلي إلى إيران جاءت في لحظة يتقدّم فيها سؤال واحد على كل الأسئلة داخل العراق: من يملك مفاتيح تسوية المرحلة المقبلة، وكيف تُدار لعبة الأسماء والتحالفات من دون أن تنفجر كلفة “الوصاية” في الداخل. في مثل هذا التوقيت تصبح الزيارات الصامتة أكثر دلالة من الزيارات المُعلنة، لأن السياسة هنا لا تبحث عن صورة تذكارية بل عن ترتيب مسارات وتخفيف احتكاكات وتأمين مخارج.
دوافع الزيارة في حسابات الداخل
سياسيًا، تُقرأ الزيارة بوصفها محاولة لالتقاط لحظة مفصلية داخل الإطار التنسيقي، حيث يتداخل ملف اختيار رئيس الحكومة مع إعادة توزيع الأدوار داخل البيت الشيعي، ومع حاجة الأطراف إلى “ضمانات” تمنع الانقسام من التحول إلى قطيعة. هذا النوع من الاتصالات يهدف عادة إلى تثبيت سقف مشترك للتفاهم، وتدوير الزوايا بين القوى المتنافسة، وفتح مسار يتيح التوافق من دون أن يظهر طرفٌ كمنتصرٍ كامل أو مهزومٍ كامل.
الخزعلي ومعركة الأسماء
تزداد دلالة الزيارة لأن قيس الخزعلي يُعد من أكثر الأصوات تشددًا داخل الإطار في رفض عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، وهو موقف يلتقي في خطوطه العامة مع أطراف بينها عمار الحكيم وآخرون. وعندما يكون أحد أشرس المعترضين هو من يذهب إلى طهران، فهذا يوحي بأن المعركة لم تعد مجرد سجالٍ إعلامي، بل دخلت مرحلة إدارة التوازنات والبحث عن صيغة تمنع تفكك التحالف وتقلّل خسائر الجميع. هنا تصبح الزيارة جزءًا من اختبار: هل يمكن إنتاج تسوية تتجاوز الاسم المثير للانقسام، أم أن الخلاف سيُعاد تدويره حتى لحظة الانفجار.
عبارة السيادة كرسالة إعلامية
ظهور عبارة “العراق سيد نفسه” في سياق نتائج الزيارة لا يُقرأ بوصفه جملة بروتوكولية، بل كقرارٍ لغوي مقصود لتسييج النقاش. هذه العبارة تعمل كغطاء إعلامي مزدوج؛ تهدّئ الرأي العام الذي يتحسس من أي إشارة لتدخل خارجي، وتمنح القوى المتنافسة داخل الإطار مساحة مناورة أوسع من دون أن تبدو وكأنها تنتظر “إشارة” من الخارج. إعلاميًا، هي محاولة لنقل مركز الثقل من سؤال “من اختارت طهران” إلى سؤال “كيف يتوافق العراقيون”، مع الإبقاء على باب التأويل مفتوحًا إذا تغيرت الأسماء في اللحظة الأخيرة.
الرد الإيراني بين الخطاب والمصلحة
الرسالة المنسوبة للجانب الإيراني، كما تداولتها منصات محلية، تُبنى على فكرة واحدة: دعم الاستقرار مع ترك قرار الحكومة للعراقيين. لكن التحليل السياسي يتعامل مع هذا النوع من الرسائل بوصفه صياغة توازن لا إعلان تنازل. فحين تقول دولةٌ إقليمية نافذة إنها لا تسمي الأشخاص، فهي غالبًا تعيد تعريف تأثيرها بطريقة أقل صدامًا مع المزاج العام، لا أنها تتخلى عن وزنها الفعلي. الفارق هنا بين “عدم تسمية الاسم” و“عدم تفضيل المسار” فرق كبير، وتلتقطه عادة التسريبات المتعارضة التي تظهر كلما اقتربت لحظة الحسم، خصوصًا عندما يكون أحد أطراف الخلاف زعيمًا يملك كتلة ورمزية وتاريخًا في إدارة الدولة.
إدارة الانقسام داخل البيت الشيعي
الزيارة تُفهم أيضًا كأداة لإدارة الانقسام لا لإنهائه. عندما تتباين مواقف الحلفاء، يصبح دور الوسيط هو تثبيت سقف مشترك يمنع الانكسار الكامل، حتى لو لم ينتج اتفاقًا نهائيًا. سياسيًا، هذا يعني تثبيت قاعدة الحد الأدنى: عدم كسر التحالف، عدم دفع الخلاف إلى العلن، وعدم تحويل منافسة الأسماء إلى صراع وجودي. في هذا السياق، تُستخدم لغة السيادة لتسكين الضجيج، بينما يجري العمل في الخلف على صياغة تسوية “مقبولة” بدل تسوية “مثالية”، وتوفير مخرج لمن يعترض كي لا يُجبر على التراجع بلا مقابل.
لماذا تُفضَّل الزيارة الهادئة
الزيارات التي تقل فيها الإشارات العلنية تُصمم عادة لأن النتائج لم تنضج بعد وتحتاج وقتًا لإخراجها بوجه مقبول، ولأن الإعلان المبكر يرفع كلفة التراجع ويُغلق أبواب المراجعة. لهذا تترك بعض الأطراف تفاصيل اللقاءات معلّقة، وتسمح بتسريب متدرّج يختبر ردود الفعل. إعلاميًا، هذا تكتيك لتوسيع هامش القبول عبر “تطبيع” الفكرة على مراحل، ولمنع القوى المعترضة من الظهور وكأنها تلقت أمرًا مباشرًا بالتراجع.
صراع السرديات داخل العراق
بعد الزيارة يبدأ صراع من نوع آخر: صراع الرواية. رواية تقول إن القرار عراقي بالكامل، ورواية مضادة تقول إن التأثير الخارجي حاضر في العمق. هذا الصراع لا يهدف فقط لإقناع الجمهور، بل لإرسال إشارات إلى الخصوم والحلفاء في آن واحد. هنا يتحول الإعلام إلى جزء من التفاوض، وتصبح المفردة السياسية أشبه بعملة تفاوضية. عبارة مثل “العراق سيد نفسه” تُستخدم لإغلاق منافذ الاتهام، بينما تُستخدم تسريبات أخرى لإبقاء الخصم تحت الضغط ومنعه من ادعاء “نصر كامل”، خصوصًا في ملف حساس مثل ترشيح المالكي الذي يقسم البيت السياسي أكثر مما يوحده.
ما الذي تكسبه الأطراف من هذا الخطاب
في مثل هذه اللحظات، تكسب القوى العراقية القريبة من طهران استمرار قناة الضمان السياسي مع الخارج، وتخفيف كلفة الارتباط أمام الداخل. وتكسب طهران تحويل نفوذها من صورة “التدخل المباشر” إلى صورة “الشريك الذي يدعم الاستقرار”، من دون أن تخسر قدرتها على التأثير عبر شبكة العلاقات والتفاهمات. أمّا الخزعلي، فيكسب مساحة لرفع سقف اعتراضه داخليًا من دون قطع خيوط التفاهم، ويحتفظ بدور “صانع التوازن” بدل دور “الرافض المعزول”، وهي نقطة مهمة عندما يكون الصراع على الاسم صراعًا على شكل السلطة المقبلة لا على منصب واحد فقط.
سيناريوهات ما بعد الزيارة
إذا استطاعت القوى داخل الإطار إنتاج تسوية باسمٍ أو مسارٍ لا يثير استقطابًا حادًا، فستُستخدم عبارة السيادة كبوابة إخراج نظيفة تمنح الجميع حق الادعاء بأنه “صنع القرار داخليًا”. أمّا إذا استمر التنازع على الأسماء وتضاربت التسريبات، فستتحول عبارة السيادة نفسها إلى مادة اختبار، لأن الجمهور سيقيسها على النتائج لا على البلاغة. وفي كلتا الحالتين، يبقى العامل الإعلامي حاسمًا: من ينجح في ضبط السردية يقترب خطوة من ضبط التفاوض.
المعنى السياسي للزيارة
الزيارة ليست عنوانًا مستقلًا بقدر ما هي حلقة في معركة ضبط التوازن بين الداخل والخارج. جوهرها ليس في تفاصيل من التقى من، بل في كيف تُدار صورة القرار السياسي، وكيف يُدار الخلاف الأكثر حساسية داخل الإطار حول اسم نوري المالكي تحديدًا. حين تُرفع عبارة “العراق سيد نفسه” في هذا التوقيت، فهي لا تصف الواقع بقدر ما تحاول صنعه، أو على الأقل صنع انطباعٍ يسمح بتمرير التسوية بأقل كلفة ممكنة على الشرعية والهيبة والشارع. وفي النهاية، ما سيحسم قيمة الزيارة ليس ما قيل خلالها، بل ما سيظهر لاحقًا في شكل القرار وطريقة تسويقه، ومن سيكون قادرًا على تقديمه كحلٍ وطني لا كإملاءٍ خارجي.




