قوائم آسياسيل تحت المجهر: إيرادات أعلى وأرباح أقل ومصروفات تثير الأسئلة!

المستقلة/- أظهرت بيانات مالية فصلية لشركة آسياسيل للاتصالات نموا في الإيرادات خلال الربع الأول من 2026، لكن هذا النمو لم ينعكس على صافي الربح، الذي تراجع مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مفارقة تفتح الباب أمام أسئلة رقابية بشأن بنود المصروفات والرسوم والإطفاءات وطبيعة الإفصاح المالي المقدم إلى سوق العراق للأوراق المالية.

وتشير مراجعة أولية للبيانات إلى أن الشركة لا تواجه مشكلة في توليد الإيرادات، إذ تظهر أيضا في إفصاحات الشركة الأم، Ooredoo القطرية، كعملية تشغيلية قوية داخل العراق، ذات هامش أرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء يقارب 45 بالمئة. غير أن القوائم المحلية لا تقدم تفاصيل كافية تفسر بصورة واضحة كيف انتقل هذا الأداء التشغيلي القوي إلى صافي ربح أقل.

إيرادات أعلى وربح أقل

بلغت الإيرادات الجارية لآسياسيل في الربع الأول من 2026 نحو 493.181 مليار دينار، مقارنة بـ 475.409 مليار دينار في الربع الأول من 2025، بزيادة تقارب 17.772 مليار دينار، أو ما يعادل نحو 3.7 بالمئة. لكن صافي الربح بعد الضريبة تراجع إلى 110.634 مليار دينار من 114.735 مليار دينار خلال الفترة نفسها.

وتضع هذه الأرقام الشركة أمام سؤال محاسبي مباشر: لماذا ينخفض صافي الربح في وقت ترتفع فيه الإيرادات؟ وتظهر القوائم أن المصروفات الجارية ارتفعت إلى 361.762 مليار دينار من 334.385 مليار دينار، بزيادة تقارب 27.377 مليار دينار، أي نحو 8.2 بالمئة، وهي نسبة تتجاوز بأكثر من الضعف معدل نمو الإيرادات.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مخالفة، لكنه يشكل مؤشرا تدقيقيا مهما. ففي شركة اتصالات كبيرة، يفترض أن يكون ارتفاع المصروفات بهذا الحجم قابلا للتفسير من خلال توسع الشبكة أو ارتفاع كلفة التشغيل أو زيادة الرسوم التنظيمية أو تغيرات جوهرية في النشاط. غير أن القوائم المختصرة لا تقدم تفصيلا كافيا لهذه العوامل.

مصروفات تشغيل واسعة

من أبرز البنود التي تستدعي التوقف بند “مشتريات بغرض البيع ومصاريف التشغيل”، الذي ارتفع إلى 93.797 مليار دينار في الربع الأول من 2026، مقارنة بـ 83.255 مليار دينار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة تزيد على 10.5 مليارات دينار.

وتكمن حساسية هذا البند في اتساعه. فهو لا يوضح ما إذا كانت المبالغ تتعلق بمشتريات مباشرة، عقود تشغيل، خدمات فنية، عمولات، خدمات موردين، تسويق، أو تعاملات مع أطراف ذات علاقة. ومن دون كشف تفصيلي بأسماء الموردين وطبيعة العقود والأسعار والمدفوعات، يبقى هذا البند منطقة مالية غير شفافة.

وفي المعايير التدقيقية، لا تكفي الأرقام الإجمالية عندما يتعلق الأمر ببند بهذا الحجم. المطلوب أن توضح الشركة من هم أكبر المتعاقدين، وما طبيعة الخدمات المقدمة، وما إذا كانت الأسعار تعكس القيمة السوقية، وما إذا كانت هناك مصروفات تخص فترات أخرى جرى تحميلها على الربع الأول.

الإطفاءات تضغط على الربح

ارتفع بند الاندثارات والإطفاءات إلى 88.257 مليار دينار في الربع الأول من 2026، مقابل 74.675 مليار دينار في الربع الأول من 2025، بزيادة تقارب 13.582 مليار دينار، أو نحو 18.2 بالمئة.

هذا الارتفاع يثير سؤالا إضافيا لأن إفصاحات Ooredoo القطرية أظهرت أن الإنفاق الرأسمالي في العراق بلغ 102.4 مليون ريال قطري في الربع الأول من 2026، مقارنة بـ 162.8 مليون ريال في الربع الأول من 2025، أي أنه تراجع لا ارتفع. كما أظهرت الجداول التكميلية أن عمليات العراق حققت إيرادات قدرها 1.3605 مليار ريال قطري وEBITDA بنحو 608.6 مليون ريال بهامش يقارب 45 بالمئة.

وتجعل هذه المقارنة السؤال أكثر إلحاحا: إذا كان الإنفاق الرأسمالي المعلن من الشركة الأم قد تراجع، فما سبب الزيادة الكبيرة في الإطفاءات داخل القوائم المحلية؟ هل ترتبط بإطفاء الرخص والامتيازات؟ هل جرى تغيير في أعمار الأصول الإنتاجية؟ هل تم تسريع الإطفاء؟ أم أن هذه البنود تستخدم بصورة محاسبية للضغط على صافي الربح؟

ولا يمكن حسم هذه الأسئلة من دون جدول تفصيلي لحركة الأصول الثابتة، وجدول آخر لإطفاء الرخص والامتيازات وحقوق الخدمة طويلة الأجل.

رسوم وضرائب بلا تفكيك كاف

أدرجت آسياسيل ضمن المصروفات الجارية بند “الضرائب والرسوم” بقيمة 94.130 مليار دينار في الربع الأول من 2026، مقابل 91.616 مليار دينار في الربع الأول من 2025. وفي الوقت نفسه، أظهرت القوائم بندا مستقلا لمصروف ضريبة الدخل بقيمة 20.750 مليار دينار.

وبذلك تقترب الكتلة المرتبطة بالضرائب والرسوم وضريبة الدخل من 114.880 مليار دينار خلال ثلاثة أشهر فقط. وهذه قيمة كبيرة لا يمكن تركها تحت عناوين عامة، خصوصا في قطاع منظم مثل الاتصالات، حيث تتداخل رسوم الرخص والترددات وحصة الجهات التنظيمية والغرامات والتسويات مع الالتزامات الضريبية.

السؤال هنا لا يتعلق بوجود رسوم أو ضرائب، بل بطبيعتها. كم من هذا المبلغ دفع فعليا إلى الدولة؟ وكم يمثل مستحقات غير مدفوعة؟ وكم يتعلق بهيئة الإعلام والاتصالات؟ وهل يتضمن غرامات أو تسويات عن فترات سابقة؟ القوائم لا تقدم إجابة كافية.

صورة قوية في قطر وإفصاح محدود في العراق

في تقريرها للربع الأول من 2026، أعلنت Ooredoo أن إيرادات المجموعة ارتفعت إلى 6.2 مليار ريال قطري، وأن EBITDA ارتفع إلى 2.7 مليار ريال، مع صافي ربح للمساهمين بلغ 1.0 مليار ريال. كما عرضت عمليات العراق ضمن الجداول التشغيلية باعتبارها مساهمة مهمة في أداء المجموعة، بإيرادات بلغت 1.3605 مليار ريال وEBITDA بلغ 608.6 مليون ريال.

وتؤكد هذه الأرقام أن آسياسيل عملية تشغيلية قوية وليست شركة تعاني من ضعف في الطلب أو الإيرادات. لكن قوة الأداء التشغيلي تزيد أهمية السؤال عن البنود التي تلتهم الربح بعد ذلك، وخاصة الإطفاءات والرسوم والمصروفات التشغيلية.

وبصيغة مالية مبسطة، تبدو الشركة قوية قبل الإطفاءات والضرائب والرسوم، ثم يتراجع الربح الصافي بعد هذه البنود. وهذه المسافة بين الأداء التشغيلي والربح النهائي هي المنطقة التي تحتاج إلى فحص مستقل.

سيولة كبيرة ودائنون أعلى

تظهر قائمة المركز المالي أن النقد ارتفع إلى 532.468 مليار دينار في نهاية الربع الأول من 2026، مقارنة بـ 301.742 مليار دينار في نهاية 2025، بزيادة تقارب 230.726 مليار دينار خلال ثلاثة أشهر. وفي المقابل، ارتفع بند الدائنين إلى 244.820 مليار دينار من 217.725 مليار دينار.

هذا التزامن بين ارتفاع النقد وارتفاع الدائنين يفتح سؤالا رقابيا آخر: لماذا ترتفع الالتزامات قصيرة الأجل لدى شركة تملك أكثر من نصف تريليون دينار نقدا؟ هل تؤخر الشركة السداد للموردين؟ هل توجد مصروفات مسجلة غير مدفوعة؟ هل تتضمن الذمم الدائنة أرصدة لأطراف ذات علاقة؟ وهل أدى تأجيل السداد إلى تحسين ظاهر التدفقات النقدية؟

هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود خلل، لكنها تستوجب كشف أعمار الذمم الدائنة، وأسماء كبار الدائنين، وطبيعة العلاقات التعاقدية معهم.

فجوة الإفصاح

تبدو القوائم المحلية مختصرة قياسا بحجم الشركة. فهي لا تقدم تفاصيل كافية عن مصادر الإيرادات، أو عدد المشتركين، أو متوسط العائد لكل مستخدم، أو إيرادات البيانات والمكالمات، أو المدفوعات الفعلية للجهات الحكومية، أو الأطراف ذات العلاقة، أو جدول الرخص والامتيازات.

وفي الشركات المدرجة، لا تكون المشكلة دائما في الرقم نفسه، بل في غياب التفصيل الذي يسمح بفهم الرقم. فكلما اتسعت البنود العامة وتراجعت الإيضاحات، زادت صعوبة التحقق من عدالة المصروفات وحقيقة الالتزامات.

أسئلة للرقابة والشركة

تحتاج آسياسيل، وفق هذه القراءة، إلى تقديم إيضاحات رقمية حول أربعة ملفات أساسية: تفاصيل بند الضرائب والرسوم، خصوصا ما دفع فعليا إلى هيئة الإعلام والاتصالات والجهات الحكومية؛ تفاصيل بند مشتريات بغرض البيع ومصاريف التشغيل وأسماء أكبر الموردين؛ أسباب ارتفاع الإطفاءات وجدول إطفاء الرخص والامتيازات؛ وأسباب ارتفاع الدائنين رغم الزيادة الكبيرة في النقد.

كما تحتاج الجهات الرقابية إلى مقارنة القوائم المحلية مع إفصاحات الشركة الأم في قطر، لا بحثا عن تعارض رقمي مباشر، بل لفهم لماذا تظهر العمليات العراقية قوية جدا على مستوى EBITDA، بينما لا ينعكس ذلك بالوضوح نفسه على صافي الربح المحلي.

الخلاصة: لا تقدم الأرقام المتاحة دليلا حاسما على وجود تلاعب مالي، لكنها تقدم ما يكفي لفتح مراجعة مستقلة. آسياسيل شركة عالية الإيرادات وقوية السيولة ومهمة في نتائج Ooredoo، وهذا يجعل مستوى الإفصاح الحالي غير كاف للإجابة عن أسئلة المساهمين والجهات الرقابية.

المشكلة، كما تظهرها القوائم، ليست في قدرة الشركة على تحقيق الإيرادات، بل في كيفية انتقال هذه الإيرادات إلى أرباح صافية بعد مرورها عبر مصروفات تشغيلية واسعة، ورسوم كبيرة، وإطفاءات متزايدة. ومن دون تفكيك هذه البنود، ستبقى الحقيقة المالية الكاملة غير واضحة.

زر الذهاب إلى الأعلى