حين يُدان السياسي بشخصيته لا بفعله: قراءة قانونية-سياسية في قضية حيدر الملا

المستقلة/ مقالات/- في القضايا ذات الطابع السياسي والإعلامي، لا تكون قيمة الحكم القضائي في العقوبة التي ينتهي إليها فحسب، بل في سلامة منطقه القانوني، ودقة تكييفه، وقدرته على إقناع الرأي العام والنخبة القانونية معاً بأن الإدانة قامت على فعل جرمي ثابت لا على خصومة سياسية مقنّعة بثوب قضائي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يثير الحكم الصادر عن محكمة جنايات الكرخ بحق النائب السابق والإعلامي حيدر الملا أسئلة قانونية وسياسية عميقة، لأن القراءة المتأنية لحيثياته تكشف أن المحكمة لم تكتفِ بالنظر في الواقعة محل الدعوى، بل بدت وكأنها تحاكم الرجل وتاريخه وخطابه وصورته العامة بقدر ما تحاكم الفعل الجزائي المنسوب إليه.

المشكلة الأولى في هذا الحكم أنه لم يرسم، بالقدر الكافي، الحد الفاصل بين الرأي السياسي الصادم والفعل المجرّم قانوناً.
فليس كل تصريح مثير للجدل، ولا كل رأي مستفز، ولا كل قراءة منحازة للتاريخ، يرقى تلقائياً إلى مستوى “الترويج الجنائي” لكيان محظور. القانون الجزائي لا يعمل بمنطق الانطباع، بل بمنطق الركن المادي والركن المعنوي والقصد الجرمي والدلالة الواضحة. أما حين تُستبدل هذه العناصر القانونية الدقيقة بتوصيفات عامة مثل “تمجيد”، و”ترويج”، و”إثارة نعرات”، فإن الحكم يكون قد انتقل من الضبط القانوني إلى الاستنتاج السياسي والأخلاقي.

المحكمة، كما يظهر من حيثياتها، لم تقدم عرضاً دقيقاً ومفصلاً للعبارات التي بنت عليها الإدانة، ولم تشتغل بما يكفي على تحليل النصوص المنسوبة إلى المتهم تحليلاً قانونياً صارماً. وهذا خلل جوهري، لأن قضايا التعبير لا تُفهم بالوصف العام، بل باللفظ والسياق والدلالة. الفرق بين رأي سياسي متوتر وبين خطاب مجرَّم قد يكون كلمة واحدة، أو جملة سبقتها أو لحقتها عبارة تغير المعنى كله. وحين لا تبذل المحكمة جهداً كافياً في هذا المستوى، فإنها تضعف حكمها بنفسها، مهما بدا موقفها الأخلاقي منسجماً مع المزاج العام.

الأخطر من ذلك أن الحكم لم يقف عند الواقعة الحالية، بل استحضر سلسلة طويلة من القضايا السابقة، والأحكام، والاستبعادات الانتخابية، والوقائع المرتبطة بالنشاط السياسي والإعلامي للمتهم. وهنا تظهر واحدة من أخطر عيوب التسبيب: هل جرت إدانة المتهم على ما فعله في هذه الدعوى، أم على ما تمثله شخصيته في المجال العام؟
هذا السؤال ليس ترفاً قانونياً، بل هو جوهر العدالة الجزائية. لأن المحكمة حين تكثر من استدعاء السوابق والخصومات والملفات السابقة، فإنها تخاطر بأن تتحول من محكمة تنظر في واقعة محددة إلى جهة تصدر حكماً على نمط سياسي كامل.

في هذا الحكم، يبدو واضحاً أن صورة المتهم بوصفه سياسياً مثيراً للجدل ووجهاً إعلامياً صدامياً كانت حاضرة بقوة داخل البناء الاستدلالي. وهذه ليست ملاحظة شكلية. فكلما كان المتهم شخصية عامة، كان واجب المحكمة أن تكون أكثر دقة، لا أكثر توسعاً. لأن الشخصيات العامة تعيش في فضاء التعبير، والفضاء العام بطبيعته يحتمل الكلام الحاد والمستفز والمستفحل أحياناً. وإذا لم تُحسن المحكمة الفصل بين الخطاب السياسي المرفوض والفعل الذي يحقق أركان الجريمة، فإنها تفتح الباب واسعاً أمام تحويل القضاء إلى أداة تضييق على التعبير السياسي، ولو من غير قصد.

ومن الثغرات اللافتة أيضاً أن المحكمة بدت متأثرة بما يمكن تسميته السياق السياسي المحيط بالمتهم. فالرجل ليس متهماً عادياً، بل عضو مجلس نواب سابق، وصاحب حضور إعلامي واسع، وخصم دائم داخل بيئة سياسية متوترة. وجميع الملفات التي أوردتها المحكمة تقريباً تدور داخل هذا المناخ: انتخابات، خطابات، تصريحات، استبعادات، خصومات، مواقف عامة. هذا التداخل بين المسار السياسي والمسار الجزائي لا يكفي وحده للقول إن الحكم سياسي، لكنه يكفي للقول إن المحكمة لم تنجح بما يكفي في تبديد هذا الانطباع.

وكان الأحرى بها أن تضيّق زاوية النظر، وأن تقول بوضوح: هذه هي العبارات، وهذا هو سياقها، وهذا هو وجه انطباق النص الجزائي عليها، وهذا هو القصد الجرمي الذي ثبت لدينا، وهذا هو الفرق بين الرأي المباح والترويج المجرّم. لكنها لم تفعل ذلك بالصرامة المطلوبة. وبدلاً من هذا البناء القضائي المحكم، مضت إلى خطاب تفسيري واسع يتحدث عن تشويه الوعي، وتمجيد الاستبداد، وإثارة الانقسامات، وهي أمور قد تصح سياسياً أو أخلاقياً، لكنها لا تكفي وحدها كبديل عن البرهنة القانونية الدقيقة.

ويزداد التناقض وضوحاً حين نلاحظ أن المحكمة شددت كثيراً في وصف خطورة سلوك المتهم وآثاره على المجتمع والهوية الوطنية والاستقرار العام، ثم عادت فخففت العقوبة مستندة إلى منح المدان فرصة لإصلاح ذاته. هذا التفاوت بين حدة الوصف ورأفة النتيجة يضعف التماسك الداخلي للحكم. فإذا كانت الأفعال بهذه الخطورة الاستثنائية التي رسمتها المحكمة، فكيف انتهت إلى هذا القدر من التخفيف؟ وإذا كانت قد رأت مبرراً للرأفة، فهل كانت صياغتها لخطورة الفعل مبالغاً فيها ابتداءً؟ هذه ليست مسألة ثانوية، بل تمس منطق الحكم نفسه.

إن جوهر الإشكال في هذه القضية ليس الدفاع عن مضمون الخطاب المنسوب إلى المتهم، ولا تبرير المواقف المستفزة أو المستهجنة أو المستفزة للرأي العام. بل إن جوهر الإشكال أعمق من ذلك: هل التزم القضاء بحدوده القانونية الدقيقة، أم تجاوزها إلى معاقبة السياسي لأنه صاخب ومستفز وجدلي؟
فالدولة القوية لا تثبت قوتها بمعاقبة كل خطاب حاد، بل بإثبات قدرتها على التفريق بين ما هو مكروه سياسياً وما هو مجرَّم قانوناً. وهذه هي النقطة التي يبدو أن الحكم تعثر عندها.

من الناحية السياسية، يحمل هذا الحكم رسالة مقلقة إن لم يُراجع بدقة: أن السياسي أو الإعلامي المثير للجدل يمكن أن يُحاكم في نهاية المطاف بوصفه مشكلة عامة لا بوصفه متهماً في واقعة محددة. وهذا خطر على المجال العام، لأن الحد الفاصل بين محاسبة الفعل وتجريم الشخصية إذا اهتز، فإن الجميع يصبحون معرّضين لمحاكمات تتغذى من المناخ السياسي أكثر مما تستند إلى الأدلة.

ومن الناحية القانونية، فإن أكثر ما يضعف هذا الحكم هو أنه لا يطمئن القارئ المتخصص إلى أن المحكمة أقامت الإدانة على الواقعة وحدها. بل إن الحيثيات توحي بأن المتهم دخل قاعة المحكمة مثقلاً بصورته السابقة، وبمواقفه، وبخصوماته، وبأحكامه، وباستبعاده الانتخابي، وبخطابه العام. وحين يحدث ذلك، يصبح الخوف مشروعاً من أن تتحول العدالة من محاكمة للفعل إلى محاكمة للتاريخ الشخصي.

لهذا، فإن القضية لا تتعلق بحيدر الملا وحده، بل تتعلق باختبار بالغ الحساسية: هل يستطيع القضاء العراقي، في القضايا السياسية والإعلامية، أن يطبق النصوص العقابية من دون أن ينزلق إلى منطق تصفية الأثر السياسي للشخصيات الجدلية؟
إن الحكم، بصيغته الحالية، لا يجيب عن هذا السؤال بثقة. وعلى العكس، فإنه يفتح الباب أمام الشك بأن المحكمة لم تكن موفقة في الموازنة بين حماية النظام العام وبين صون حرية التعبير، ولا في الفصل بين الدليل على الفعل وبين الانطباع المتراكم عن صاحبه.

وفي الدول التي تريد حماية القانون، لا يكفي أن يكون المتهم مثيراً للجدل كي يُدان، ولا يكفي أن يكون خطابه مستفزاً كي يُجرَّم. المطلوب دائماً شيء واحد: دليل دقيق، تكييف صارم، وتسبيب لا يخلط بين الخصومة السياسية واليقين القضائي.
وحين يغيب هذا الثلاثي، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: هل نحن أمام حكم على جريمة، أم أمام حكم على شخصية؟

*الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها،
ولا تمثل بالضرورة موقف الوكالة أو سياساتها التحريرية.

زر الذهاب إلى الأعلى