فوائد الخروب بين الماضي والحاضر ودوره في التنمية المستدامة بالمغرب

نورة مارتيتشلاغر*

 

كانت شجرة الخروب مصدر اهتمام منذ عصور نظرًا لميزاتها المتعددة. وفي أيامنا هذه، بدأ الناس اكتشاف فضائل هذا النبات المذهل من جديد. فهي شجرة برية تنمو عادة في الغابات، لكن من السهل أيضًا غرسها ورعايتها مع باقي الأشجار المثمرة. وبسبب كونها تجمع بين هاتين الخاصيتين، فإن شجرة الخروب تفتح مجالًا واسعا أمام عدد كبير من الخيارات الممكنة، وهذا الأمر يجعلها الشجرة المثالية والمناسبة لمواجهة مجموعة من التحديات الاقتصادية والبيئية العالقة في المغرب.

وسرعان ما يتبادر السؤال هنا إلى أذهاننا: ما هي الخاصية التي تجعل هذه النبتة فريدة من نوعها؟ وللإجابة وجب أولًا إلقاء نظرة على مكامن استخدام الخروب عبر الزمان والمكان.

يمكن تحديد الموطن الأصلي للخروب بالنظر إلى مواقع تواجده، حيث ينتشر على نطاق واسع في مناطق البحر الأبيض المتوسط الجافة والشبه القاحلة. وكانت تُعرف ثمار هذه الشجرة باسم حبة الجراد أو خبز القديس يوحنا. يعود هذا المصطلح إلى القديس المعمدان يوحنا وإلى فكرة أن “الجراد والعسل البري” ورد وصفهما في الكتاب المقدس، وأن المادة الأساسية التي عاش عليها أثناء رحلته الوعظية في الصحراء كانت هي نبات الخروب البري.

وعرفت روما القديمة استخدام بذور الخروب كأداة من أدوات القياس بسبب ثبات وزنها، مما أدى إلى توحيد طريقة تحديد نقاء معادن مختلفة من بينها الذهب. ويفسر هذا سبب استعمالنا مصطلح “القيراط” المشتق من كلمة “كيراتيون” اليونانية التي تعني الخروب. ونظرًا لأن قطعة ذهبية واحدة لها نفس وزن 24 حبة خروب، فإن 24 قيراطًا تعني أن ما يتم وزنه ذهب نقي بنسبة 100٪.

ويتم في الوقت الحاضر استخدام الخروب في مجموعة متنوعة من المنتجات الغذائية والتقنية. ونجدها مثلًا في شكل مسحوق، أو شرائح، أو شراب، أو مستخلص، أو حبوب غذائية. هناك منتج آخر يسمى علكة نبات الخروب (LBG)، وهي مادة لزجة يتم دمجها لربط أو زيادة كثافة العديد من المنتجات الغذائية وغير الغذائية. أما من كان يبحث عن الخروب فسيجده بسهولة في متاجر الأطعمة الصحية أو المتاجر الكبرى للمركبات العضويّة الطبيعيّة التي تروجه كمكمل غذائي أو كبديل للشوكولاتة. وبتعويض الشوكولاتة بالخروب، يمكن تخفيض السعرات الحرارية والدهون بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي الخروب على كمية كبيرة من الكالسيوم – حوالي ثلاثة أضعاف ما يحتويه الحليب. كل هذا يصنف هذه النبتة كبديل رائع للشوكولاتة بالنسبة لمن يتبع نظامًا نباتيًا، حيث توفر لهم كمية الكالسيوم اللازمة لنظام غذائي صحي.

الخاصية الأخرى التي تميز الخروب تتجلى في كونه غنيا جدا بالألياف. وتساعدنا الألياف في المحافظة على إحساس الشبع لفترة أطول بعد الأكل، مما يمنعنا من تناول وجبات أكثر مما نحن بحاجة إليه. ويساعد في التحكم في نسبة السكر في الدم كما أن له تأثيرًا إيجابيا يساعد على ضبط مستويات الكوليسترول، مما يجعله ذا فائدة كبيرة لدى مرضى السكري. أما بخصوص استخداماته في الأغراض الطبية، فإن مسحوق الخروب كان يستعمل لعلاج حالة الإسهال منذ أجيال مضت. ووفقا لبعض الأشخاص الذين يضيفونه إلى نظامهم الغذائي فإن له فوائد عدة مثل فقدان الوزن وانخفاض أمراض المعدة.

كان للخروب على مر العقود أهمية كبيرة كمصدر طبيعي للسكر بسبب أسعاره المعقولة. ونظرًا لخصائصها الكثيرة – ارتفاع مستويات الكالسيوم والألياف والسكر وانخفاض أسعاره – فقد كانت نبتة الخروب مصدرًا مهمًا للتغذية خلال أوقات الحرب والمجاعة. وفي بلدان مثل قبرص ومالطا وإسبانيا، يدين عدد لا يحصى من الناس بحياتهم لقرون الخروب المغذية خلال الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.

وعلى نفس المنوال يمكن أن يلعب الخروب دورًا مهمًا في مستقبل المغرب أيضًا. فهذه الأشجار تتوافق تمامًا مع المناخ والظروف البيئية بالمغرب: حيث إنها لا تحتاج إلا إلى قليل من الرعاية والري لكي تعمر طويلا حتى لو كانت التربة فقيرة. موازاة مع ذلك، تنمو أشجار الخروب في أصعب الظروف الطبيعية، مثل سفوح التلال الهشة وعلى التربة الرملية أو القاحلة. وتعتبر هذه ميزات جوهرية يجب توظيفها في جهود إعادة تشجير واستصلاح الأراضي المتدهورة.

اتضح حديثا أن السلطات الوطنية بدأت تدرك قيمة وإمكانات هذا النوع. وفي هذا السياق، تركز المندوبية السامية للمياه و الغابات و محاربة التصحر بشكل متزايد على زراعة أشجار الخروب. ونظرًا لطبيعتها الغابوية، يمكن زرع أشجار الخروب في الأراضي التابعة لمندوبية المياه والغابات، وهو أمر يتعذر إنجازه بالنسبة لباقي أنواع الأشجار المثمرة. وما إن تتوجه السلطات المغربية إلى المجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية وتعمل معها جنبًا إلى جنب، إلا وفتحت بذلك أبواب وفرص كثيرة تضمن مساعدة وتمكين الفلاحين ممن لا يملكون أراضي، حيث تعتبر هذه الفئات الأضعف بين فقراء المناطق القروية.

ظلت الجهات المسؤولة المغربية في السنوات القليلة الماضية تظافر جهودها سعيا منها لتوسيع نطاق مزارع الأشجار. وفي عام 2018، وضع تصنيف دولي المغرب في المرتبة السادسة بين أكبر مصادر الخروب في العالم – مع العلم أنه بلد غالبًا ما يتداول الفاكهة والبذور النيئة فقط بسبب قدراته المحدودة في المعالجة المحلية. وبالتالي، فإن الحديث هنا عن إمكانات كبيرة، ولكن يجب استغلالها للحفاظ على الوضع الحالي في السوق أو بالأحرى تحسينه.

هكذا يبدو أن الاستثمار في الخروب فرصة مثالية أمام الاقتصاد والبيئة في المغرب. وما يجعل الشجرة استثمارًا مثاليًا ليس فقط مقاومتها للجفاف، بل قدرتها على الحد من التعرية وتدهور أو انجراف التربة والتصحر، نتحدث هنا عن بعض المشاكل الملحة والتي سيصبح إيجاد حل لها أشد استعجالا في المستقبل القريب.

إن الاهتمام بشجرة الخروب عملية من شأنها التخفيف من حدة الفقر في المناطق القروية نظرا لإمكانية زيادة إيرادات الفلاحين وحماية الأجيال القادمة، ويمكنها في الوقت نفسه أن تساهم في مكافحة التدهور البيئي. وفي سبيل ذلك، فهي مناسبة تمامًا لاحتياجات مجتمع مغربي يتغير وتتطور مساعيه لتحقيق التنمية المستدامة.

 

* طالبة متخصصة في الدراسات العليا حول العمل الاجتماعي الدولي بجامعة العلوم التطبيقية – ألمانيا.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.