
طقوس لا تغيب في رمضان العراق.. إرث التكافل يتجدد رغم تغير الأزمنة
المستقلة/- مع إعلان ثبوت هلال شهر رمضان في العراق، لا يقتصر التغيير على مواعيد الطعام والشراب، بل يمتد ليطال إيقاع المدن وأسلوب الحياة اليومي، حيث تهدأ الشوارع قبيل الغروب، وتتعالى الأدعية من المآذن، فيما تستعيد الأزقة القديمة روحها الاجتماعية التي طالما ميّزت الشهر الفضيل في الوجدان العراقي.
وتتجدد في رمضان قيم التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع، إذ تبقى العادات متجذرة رغم تبدل الظروف الاقتصادية والاجتماعية عبر العقود. فمن موائد الإفطار التي تمتد بين الجيران، إلى المبادرات الفردية التي تستهدف دعم العائلات المتعففة، يحافظ العراقيون على تقاليد يعتبرونها جزءاً من هويتهم الدينية والاجتماعية.
ومن أبرز العادات التي سادت خلال سبعينيات القرن الماضي وما قبلها، تكفّل الميسورين في المحلة الواحدة بإعانة من لا يستطيع الجمع بين العمل اليومي والصيام، عبر تقديم مبالغ مالية تكفي لسد احتياجات عائلته طوال الشهر، بما يتيح له أداء فريضة الصوم دون مشقة العمل الشاق.
ويقول الشيخ عبد الرحمن الأزيرجاوي، إمام وخطيب أحد مساجد بغداد، إن الصيام فريضة على الجميع، لكنه يحمل أبعاداً اجتماعية تتجلى في إحساس الأغنياء بجوع الفقراء، مشيراً إلى أن مساعدة المحتاجين في رمضان تمثل واجباً شرعياً كفائياً إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ويوضح أن هذه المبادرات لا تُعد عملاً تطوعياً فحسب، بل مسؤولية دينية وأخلاقية تهدف إلى تمكين الفقراء من أداء الفريضة.
ورغم تغير أنماط الحياة، يؤكد مواطنون أن مظاهر التكافل لا تزال حاضرة، وإن اختلفت أشكالها. فبدلاً من الدعم النقدي المباشر كما في السابق، يلجأ كثيرون اليوم إلى توزيع سلال غذائية أو تنظيم موائد إفطار جماعية للعائلات ذات الدخل المحدود.
ويشير الحاج أبو منتظر الكعبي (64 عاماً) إلى أن مساعدة أرباب الأسر الذين يعتمدون على الأجر اليومي ما تزال قائمة، وإن بصيغ حديثة، موضحاً أن هذه المبادرات تعزز الروابط الاجتماعية وتكرّس روح التضامن بين أبناء الحي الواحد.
كما يلفت مواطنون إلى عادة إبلاغ العائلات المتعففة منذ ساعات الصباح بعدم إعداد طعام الإفطار، إذ يتكفل أحد الميسورين بإرسال وجبة متكاملة عند الغروب، في تقليد يتكرر بشكل دوري طوال الشهر.
تابع وكالة الصحافة المستقلة على الفيسبوك .. اضغط هنا
ويؤكد مراقبون أن العادات الرمضانية في العراق، من التكافل الاجتماعي إلى إفطار الصائمين، تمثل منظومة قيم متوارثة تتجاوز الزمن، إذ قد تتغير التفاصيل، لكن الجوهر يبقى ثابتاً: شهر تتجدد فيه روح الجماعة، ويترسخ فيه معنى التضامن بين العراقيين.





