
صولة الفجر بين القضاء والسياسة.. جدل قانوني حول من يملك قرار التسوية؟
المستقلة/- يثير الحديث المتداول في أوساط سياسية عن احتمال دفع بعض المتهمين في ملفات “صولة الفجر” إلى تسويات مالية، مقابل إطلاق السراح أو تخفيف مسار الملاحقة، جدلاً قانونياً ودستورياً بشأن الجهة التي تملك قرار التسوية في قضايا الفساد: هل هي السلطة التنفيذية أم القضاء المختص؟
وتقول مصادر سياسية إن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي يمضي باتجاه دعم خيار التسويات في بعض ملفات الحملة، مشيرة إلى ضغوط تمارس على أطراف داخل تحالف عزم لدفع زعيم التحالف مثنى السامرائي إلى القبول بتسوية مالية كبيرة، مقابل إطلاق سراحه أو تخفيف مسار الملاحقة، مع محاولة الحفاظ على تماسك التحالف.
ولم يصدر حتى الآن إعلان قضائي أو حكومي رسمي يؤكد وجود مسار تسوية من هذا النوع، أو يوضح ما إذا كانت هناك مبالغ مالية مطروحة أو مفاوضات فعلية بشأن ملفات منظورة أو خاضعة للتحقيق.
ويقول خبراء قانون إن رئيس مجلس الوزراء، أو أي جهة تنفيذية، لا يملك صلاحية إغلاق ملفات فساد أو إنهاء أثر الاتهام أو التأثير في مسار الدعوى مقابل دفع مبالغ مالية، لأن هذه الصلاحيات تتصل حصراً بالقضاء المختص وبالإجراءات التي رسمها القانون.
ويستند هذا الرأي إلى أن النظام الدستوري العراقي يقوم على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وعدم جواز تدخل السلطة التنفيذية في شؤون العدالة. كما أن تقييد حرية المتهم أو إطلاق سراحه أو تخفيف مسؤوليته الجزائية لا يتم بقرار سياسي أو تفاهم حكومي، بل عبر مسار قضائي يقوم على التحقيق والأدلة والقرارات القضائية.
وتشير تقارير صحفية تناولت حملة “صولة الفجر” إلى أن الاعتقالات طالت عدداً من السياسيين والمسؤولين والنواب، بينهم شخصيات مرتبطة بتحالف عزم، على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات استغلال موارد الدولة والانتفاع من عقود حكومية، بعد رفع الحصانة عن نواب مشمولين بالإجراءات.
قانونياً، لا يمكن لأي تسوية في قضايا المال العام أن تقوم على تفاهم سياسي أو ضغط تنفيذي. فاسترداد الأموال، حتى إذا تحقق، لا يعني تلقائياً إسقاط الجريمة أو وقف الملاحقة، ما لم يستند ذلك إلى نص قانوني صريح وإشراف قضائي مباشر وضمانات تحفظ حق الدولة والمجتمع.
ويرى قانونيون أن تحويل الأموال محل الاشتباه إلى موضوع مساومة قد يفرغ مكافحة الفساد من مضمونها الردعي، إذا بدا أن المتهم يستطيع، في حال ثبوت الاتهامات، دفع مبالغ مالية مقابل الخروج من المساءلة أو تخفيف آثارها القانونية والسياسية.
كما يحذر هؤلاء من أن أي تدخل تنفيذي في مسار القضايا المنظورة قد يفتح باباً للطعن في سلامة الإجراءات، ويضعف ثقة الرأي العام بالقضاء وبجدية الحكومة في مكافحة الفساد، خصوصاً إذا ظهرت مؤشرات على انتقائية في الملاحقة أو في عرض التسويات.
ولا يعني رفض التسويات السياسية رفض مبدأ استرداد المال العام. فاستعادة الأموال المنهوبة هدف مشروع وضروري، لكنه يحتاج إلى إطار قانوني وقضائي واضح، لا إلى ترتيبات سياسية مغلقة قد تمنح المتهمين فرصة لإعادة جزء من الأموال مقابل الخروج من دائرة المحاسبة.
ويضع ملف “صولة الفجر” الدولة أمام اختبار حاسم: إما أن تبقى مكافحة الفساد ضمن مسار قضائي مستقل يقوم على الأدلة والتحقيق والمحاكمة، أو تتحول إلى ورقة ضغط ومساومة بين الحكومة والقوى السياسية المتضررة.
وفي الحالة الثانية، لن تكون البلاد أمام حملة راسخة لمكافحة الفساد، بل أمام إعادة ترتيب لموازين النفوذ تحت غطاء القانون، بما قد يفاقم أزمة الثقة بين المواطن والدولة بدلاً من معالجتها.





