دلالات زيارة “ماكرون” إلى لبنان والعراق وما الرسائل التي حملتها هذه الزيارة

المستقلة /متابعة / لم تكن خطوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مرتجلة عندما زار بيروت بعد يومين على انفجار المرفأ. ففي كل خطوة قام بها أخيرا رسالة ولكل كلمة قالها خلفيات ومكان في السياسة الفرنسية تجاه لبنان وتصورها للحل.

حتى زيارة فيروز لم تكن مجرد استعراض إعلامي ولكنها كانت تحمل رسائل تخاطب الوجدان اللبناني من الزاوية الوطنية ومن وحي المناسبة وهي ذكرى ولادة “دولة لبنان الكبير”. ففيروز والرحابنة رسموا في فنهم وطنا فوق الطوائف والانتماءات الحزبية وسافروا فيه الى كل العالم. رسموا “لبنانا” خياليا لم يتحقق في نظر كثيرين وأحبه وحلم به آخرون وغنته الإذاعات على مدى أعوام الحرب…..وما يقال عن زيارة فيروز يصح أيضا عن لقائه مع ماجدة الرومي التي غنت بيروت وكانت لها مواقف سياسية ذات بعد وطني في السنوات الماضية.

ماذا تريد فرنسا ولماذا الآن؟

هناك شبه إجماع لدى الطبقة السياسية اللبنانية أن ما يحصل الآن لعب في الوقت الضائع قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ففي المرحلة المقبلة ستتحدد اتجاهات البوصلة الأمريكية تجاه إيران وبالتالي على حزب الله وحلفائه الصمود وإدارة الأزمة الى أن تتضح تلك الصورة.

ويبدو أن فرنسا وجدت أنها في موقع تستطيع فيه التحرك للمساعدة في إدارة الأزمة ولعب دور غير مسبوق منذ الاستقلال من خلال رعاية بعض الإصلاحات التي يمكن تحقيقها بعيدا من التعقيدات الإقليمية. وهل هناك مناسبة معبرة للعودة أفضل من الذكرى المئوية لإعلان “دولة لبنان الكبير” من على درج “قصر الصنوبر” حيث التقطت تلك الصورة الشهيرة التي جمعت القيادات السياسية والروحية للكيان الجديد حول الجنرال الفرنسي هنري غورو.

أبعد من الإصلاحات

قد يتصدر الإصلاح المالي والاقتصادي العناوين الكبرى لمقترحات ماكرون، ولكن ما يدور في الكواليس أعمق من ذلك. ففي زيارته السابقة في السادس من أغسطس آب استخدم عبارات مطاطة ولكنها استرعت انتباه الجميع مثل : عقد اجتماعي جديد، وضرورة حصول إصلاح عميق وغيرها.

جاء ذلك فيما لوحظ أنه حيد حزب الله الذي كان يتعرض لمحاولة تطويق كبيرة على أكثر من مستوى، ولم يرفع ماكرون شعار نزع السلاح كجزء من الإصلاحات المطلوبة للحصول على المساعدات. فقد رمى الرئيس الفرنسي فكرة إعادة النظر في النظام السياسي قطعة حلوى تلقفتها بعض أطراف الحكم التي تعيش مرارة سيف العقوبات المسلط، وتلك التي قال الفرنسيون إنها ستأتي في حال عدم تحقيق تقدم.

وسريعا بدأت التسريبات تتحدث عن إعادة النظر في اتفاق الطائف الذي كرس التوازن بين الطوائف اللبنانية كافة على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وهذا الموضوع معقد وشاسع وستنتج عنه خلافات كثيرة تتخطى المطلوب اليوم من إصلاحات عاجلة. فطرح فكرة إعادة النظر في النظام السياسي يشكل مادة جذابة جدا بالنسبة الى بعض القوى السياسية اذ يرى البعض أن إعادة النظر في النظام قد تمنح حزب الله هوامش للدخول أكثر في المعادلة السياسية وفقا للقاعدة العددية، ما قد يجعله ربما أقل حاجة الى التمسك بالسلاح.

طبعا لا شيء رسميا بعد باستثناء التسريبات ولكن الطريق نحو هذه المعادلة ليست سهلة لأنها قد لا تحظى بموافقة أطراف أخرى وهي تتطلب الكثير من البحث وإدخال تغييرات جذرية في النطام السياسي.

المفتاح في مكان آخر

في المقابل يعتقد حزب الله وحلفاؤه أن الانتخابات الأمريكية هي المفصل لان الحوار الأمريكي الايراني قد يتخذ شكلا مختلفا في المرحلة المقبلة. فالخلاف كان تكتيتكيا في العامين الماضيين لتحضير أجواء مختلفة من منظور استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ويهمس البعض في بيروت أن اتفاقا أمريكيا- إيرانيا يطبخ على نار هادئة، من هنا مسارعة بعض الدول العربية الى الربط مع إسرائيل ومسارعة فرنسا الى فتح الخطوط مع إيران من الزاويتين اللبنانية- وبنسبة أقل- العراقية. طبيعي أن كل ذلك يحصل بخطوات حذرة ولكن يكفي أن نتذكر أن الوفد الفرنسي التجاري كان من أول الواصلين الى طهران بحثا عن حصة في العقود التجارية، حين توصلت مجموعة الخمسة زائد واحد الى إتفاق أيام الرئيس باراك أوباما.

وفرنسا لا تريد طبعا أن تكون الأخيرة في الوصول الى طاولة توزيع العقود في المستقبل، من هنا التحرك ايضا في اتجاه العراق بعد لبنان حيث وجه الرئيس ماكرون سلسلة رسائل الى إيران من هناك تندرج ضمن المواقف الغربية الكلاسيكية.

وكان واضحا في التحركات الماضية أن لدى فرنسا إهتماما كبيرا بغاز شرق المتوسط أيضا وهي سعت إلى حجز حصة لشركة توتال في لبنان والعراق. علما أن علاقة شركة توتال الفرنسية بالنفط الإيراني تعود الى أيام حكم الشاه. وتعلم باريس أن أحد المفاتيح الأساسية للفوز بحصة مرضية هي علاقة جيدة أخذت الوقت الكافي لإرساء دعائمها.

ولكن أين واشنطن من كل ذلك وهل يحصل ذلك بالتنسيق معها أم أن باريس تتحرك فعلا في الوقت الضائع؟

كان لافتا أنه ما أن غادرت طائرة الرئيس الفرنسي بيروت حتى حطت طائرة مساعد وزير الخارجية الأمريكية دافيد شينكر لقضاء ثلاثة أيام تجاهل فيها لقاء المسؤولين السياسيين مركزا على لقاء الحراك المدني المعارض للطبقة السياسية والجمعيات التي تتولى توزيع المساعدات وإعادة البناء.

التحرك الأمريكي فسره البعض على أنه جاء لوضع النقاط على الحروف والتأكيد أن الموقف الضاغط على الطبقة الحاكمة لا يزال كما هو. ولكن يمكن أيضا وضعه في خانة توزيع الأدوار إذ لا يمكن أن تسير الدبلوماسية الفرنسية بعكس اتجاه حلفائها الاستراتيجيين. وبالتالي فإن كل الخطوات الفرنسية لا تزال تجري تحت سقف معين لا يعتبر مغايرا في الجوهر للخطاب الذي يعتمده الحلفاء.

فالرئيس الفرنسي يلعب ضمن هامش الواقعية باعتبار أن هذه القوى منتخبة وبالتالي هي تتمتع بشرعية القانون رغم أن بعضها لم يعد يتمتع بشرعية الشعب. فالتحرك السياسي لماكرون ركز على الحوار مع الطبقة الحاكمة بموجب القانون ولكن تحركه الشعبي خاطب اللبنانيين بلغة تعكس لسان حالهم بدءا من الأغنية وصولا الى حديث تغيير النظام ولهذا الخطاب تتمة خصوصا أن الرئيس الفرنسي لا يعمل بسياسة المهل المفتوحة بل وفق أجندة محددة مضبوطة وفق ساعة المصالح الدولية وضمن هوامشها.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.