حقن التخسيس لا تُنقص الوزن فقط… بل “تعيد برمجة” دماغك ضد الجوع!

المستقلة/- ساعدت حقن التخسيس ملايين الأشخاص حول العالم على تقليل شهيتهم وفقدان الوزن، ليس فقط عبر تأثيرها على الجهاز الهضمي، بل أيضاً من خلال تدخل مباشر في آليات الدماغ المسؤولة عن الإحساس بالجوع والرغبة في تناول الطعام.

وتُعرف هذه الأدوية علمياً باسم محفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 (GLP-1)، وهي تحاكي هرموناً طبيعياً يفرزه الجسم بعد الأكل، فتعمل على إبطاء إفراغ المعدة ومنح شعور سريع ومطوّل بالشبع، ما يقلل من كميات الطعام المستهلكة.

لكن الجديد، وفق دراسات حديثة، هو أن هذه الحقن لا تكتفي بالتأثير على المعدة، بل تغيّر أيضاً نشاط الدماغ المرتبط بإشارات الجوع والتفكير المفرط في الطعام، وهو ما قد يفتح الباب لاستخدامها مستقبلاً في علاج اضطرابات أخرى.

“مونجارو” وتأثير مباشر على موجات الدماغ

كشفت أبحاث حديثة أن دواء تيرزيباتيد (الاسم التجاري: مونجارو) يؤثر على موجات الدماغ المسؤولة عن الرغبة القهرية في الطعام. ويشير كثير من مستخدمي هذه الحقن إلى أنهم بعد بدء العلاج يتوقفون عن التفكير المستمر في الأكل، وهي حالة يصفها الأطباء بـ“ضوضاء الطعام”.

وتُعد هذه المشكلة شائعة جداً، إذ تصيب نحو 60% من المصابين بالسمنة، وفق دراسة أمريكية على مستخدمي “سيماغلوتيد” عُرضت في مؤتمر الجمعية الأوروبية لدراسة السكري.

وتظهر “ضوضاء الطعام” أيضاً لدى بعض المصابين باضطرابات الأكل، حيث ينشغل الشخص باستمرار بالطعام والوزن والحمية، حتى في غياب الشعور الحقيقي بالجوع.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

أظهرت الدراسات أن “مونجارو” يخفّض نشاط موجات دماغية تُعرف باسم دلتا–ثيتا، وهي موجات مرتبطة بالتفكير القهري والرغبة في الإفراط بالأكل.
وفي دراسة نُشرت في مجلة Nature Medicine، تبيّن أن النشاط الكهربائي منخفض التردد في منطقة النواة المتكئة في الدماغ — وهي المسؤولة عن الدافع والمتعة والتحكم بالاندفاع — يرتفع قبل نوبات الأكل الشره، وليس فقط عند الشعور بالجوع.

ولفهم هذه الآلية بدقة، خضع ثلاثة مرضى يعانون من رغبات قهرية شديدة للطعام لزرع أقطاب كهربائية في هذه المنطقة الدماغية، بعد فشل الجراحة والعلاج السلوكي والأدوية التقليدية معهم.

وكانت امرأة واحدة فقط من بين المرضى الثلاثة تتناول “مونجارو”. وعند تحليل الإشارات الدماغية، لوحظ أن المريضين الآخرين أظهرا ارتفاعاً واضحاً في موجات “دلتا–ثيتا” عند التعرض لمحفزات الطعام، بينما لم تُسجَّل تقريباً أي زيادة لدى المرأة التي استخدمت الدواء، كما لم تعانِ من نوبات أكل قهرية خلال فترة المراقبة.

لكن بعد خمسة أشهر، بدأت تظهر لديها زيادة طفيفة في هذه الموجات، ما يشير إلى أن تأثير الدواء على الدماغ قد يكون مؤقتاً.

آفاق علاجية أبعد من فقدان الوزن

وقالت كيسي هالبرن، أستاذة جراحة الأعصاب في جامعة بنسلفانيا وقائدة الدراسة، إن هذه النتائج قد تفتح المجال لتطوير علاجات جديدة لنوبات الشراهة وربما للألم المزمن أيضاً، إذا أمكن تعزيز مدة تأثير الأدوية وتقليل الحاجة للتدخلات الجراحية في الدماغ.

في المقابل، حذّر بعض الباحثين من المبالغة في النتائج، مشيرين إلى أن الدراسة اعتمدت على حالة واحدة فقط فيما يتعلق بتأثير “مونجارو” على موجات الدماغ. واعتبر الدكتور سيمون كورك من جامعة أنجليا روسكين أن النتائج “مهمة ومثيرة للاهتمام، لكنها لا تكفي بعد لتعميمها على جميع المرضى”.

خلاصة المشهد

تشير الأدلة المتزايدة إلى أن حقن التخسيس لا تعمل فقط عبر تقليل الشهية جسدياً، بل تعيد أيضاً ضبط دوائر الرغبة والتحفيز في الدماغ، وهو ما يفسر توقف كثير من المستخدمين عن التفكير المستمر في الطعام.
ومع استمرار الأبحاث، قد تتحول هذه الأدوية من مجرد حلول لإنقاص الوزن إلى أدوات لعلاج اضطرابات سلوكية وعصبية أوسع نطاقاً.

زر الذهاب إلى الأعلى