تقرير : البرامج الساخرة تمثل فسحة للجمهور العراقي

المستقلة … سلط تقرير صحفي، الضوء على الاعمال الدرامية العراقية وبالتحديد ’الساخرة’ منها، التي تحاكي واقع الساحة العراقية، وتتناول موضوعات ساخنة، مثل الاغتيالات والقتل والخطف، ومدى تأثير تلك الاعمال على الجمهور العراقي الذي يتعايش مع الموقف لحظة بلحظة.

ويقول التقرير الذي نشرته صحيفة “الإندبندنت”، إن “البرامج الساخرة في العراق، التي شهدت ظهوراً واسعاً في السنوات الأخيرة، تمثل فسحة للجمهور العراقي في التعبير عن سخطه وغضبه من جهات سياسية وأخرى مسلحة، باتت تمثل خطوطاً حمراء قد تُودي بمنتقديها إلى إشكالات كبرى”.

ولأن الجنة لا تغني عن الوطن، يقرر هشام الهاشمي الباحث السياسي “المغدور”، أن يتفقد أوضاع العراق، في مشهد مؤثر جسده فريق برنامج عراقي ساخر على طريقة مسرحية “كاسك يا وطن”، ليثير تفاعلاً ساخناً وغاضباً ويضع الحكومة العراقية مرة أخرى في زاوية تضيق كل مرة يتعلق فيها الأمر بالسلاح المنفلت.

“ودمي نسي، وحقي ضاع، وكرامتك ما بقي منها إلا شوية”، تنتهي المكالمة الافتراضية بين مقدم البرنامج والهاشمي، كأنها تفجع العراقيين مجدداً بأسئلة قديمة جديدة عن جدوى كل تلك الدماء التي نزفها الشبان والنشطاء منذ سنوات، مروراً بانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، وصولاً إلى “حفلات الكواتم” المستمرة حتى الآن، فيما تسرح الجماعات المسلحة تحت أنظار قوى السلطة التي تشكل مزيداً من اللجان بعد كل حادثة.

وسائل التواصل الاجتماعي تشتعل

ما إن انتهت الحلقة حتى اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بموجة كبيرة من التساؤلات، وجهها ناشطون وكتاب وإعلاميون إلى الحكومة العراقية، حول إجراءاتها المحاطة بـ”تشكيك كبير” في تعبير عن يأسهم وشعورهم بعدم جديتها في حسم تلك الملفات.

وكتب الناشط والكاتب إيهاب شغيدل على “فيسبوك” أن “هذا المشهد محاكاة لمشهد من مسرحية (كاسك يا وطن)، لكن ولاية بطيخ بثت داخله جرعة عاطفية كبيرة على شكل إسفنجة تمتص الأسى العراقي وتطرحه دفعة واحدة، موضحة كيف أن سعر الإنسان هنا مجموعة هاشتاغات!”.

وكتبت الإعلامية سجد الجبوري على صفحتها في “تويتر”: “لم يغِب عن بالي الحوار الافتراضي الذي دار بين المبدع علي فاضل والمرحوم البطل هشام الهاشمي، خصوصاً عندما قال الأخير (شفت وحدة تشبه الناشطة رهام يعقوب وواحد يشبه الناشط تحسين أسامة يمي في الجنة)، فيما ختمت تغريدتها بوسم (قتلة المتظاهرين وين؟)”.

عودة في ظرف خطر

تمثل البرامج الساخرة في العراق، التي شهدت ظهوراً واسعاً في السنوات الأخيرة “فسحة” للجمهور العراقي في التعبير عن سخطه وغضبه من جهات سياسية وأخرى مسلحة، باتت تمثل خطوطاً حمراء قد تُودي بمنتقديها إلى إشكالات كبرى.

وبعد غياب دام نحو عام ونصف العام، عاد برنامج “ولاية بطيخ” في ظرف يعد الأكثر خطورة منذ سنوات، حين تنامت عمليات الاغتيال بشكل غير مسبوق منذ انطلاق الانتفاضة العراقية مطلع أكتوبر 2019، وطالت عدداً كبيراً من الناشطين والباحثين والصحافيين، فضلاً عن مخاطر كبرى تواجه آخرين تصل إلى حدود التصفية الجسدية أو التهديدات المباشرة بالقتل.

ويقول مخرج البرنامج علي فاضل: “في نقاشات انطلاق الموسم الحالي رأينا أن أهم ملف هو ملف الاغتيالات؛ لأنه مرتبط بشكل مباشر بحرية التعبير عن الرأي والسلاح المتفلت وهيبة الدولة وسلطة القانون”.

“رهينة التسويات السياسية”

وبشأن قضية اغتيال الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي، والذي أعاد البرنامج إثارة قضيته مرة أخرى، يرى فاضل أن “هناك مماطلة وعدم حسم لقضية الهاشمي، ومن غير المقنع أن يطول أمد التحقيقات حتى الآن”، مبيناً أن “هذا الأمر يسيء لصورة الحكومة بشكل كبير؛ إذ إنه من السهل التوصل للجماعات التي قامت بعملية الاغتيال تلك، لا سيما أن بغداد مليئة بكاميرات المراقبة، وبالإمكان الاستدلال من خلالها على القتلة”.

ويضيف “يبدو أن دم العراقيين صار رهينة التسويات السياسية، وهذا محفز آخر لتلك الجماعات على الاستمرار بمسلسل الاغتيالات والترويع الذي تمارسه”.

ويؤكد فاضل معرفته بثمن تسليط الضوء على تلك الملفات، قائلاً “دفعنا أثماناً باهظة في وقت سابق وتعرضنا للتهديد والتخويف، فضلاً عن حملات تسقيط من خلال التخوين والاتهام”، مشيراً إلى امتلاكه معلومات حول “محاولات للبحث عن تهم تمكن بعض الجهات من التخلص من البرنامج بطريقة قانونية”.

وبشأن المخاطر التي قد يواجهها كادر البرنامج، يلفت فاضل إلى أنه يولي اهتماماً بالغاً بموضوع صياغة البرنامج بطريقة لا تفتح الباب لتهديدات تطال العاملين أو التسبب بأي ملاحقات قانونية، فيما أشار إلى أن “كل ما نقوم به هو طرح التساؤلات وعدم توجيه اتهامات مباشرة، وهذا أكثر الأسلحة براءة”، مردفاً “كانت قضية الهاشمي منطلقاً في محاولة التساؤل عن الجهة المسؤولة عن مقتله والإجراءات الحكومية التي لم تتبين حتى الآن”.

طفرة في الوعي

عن التحولات التي طرأت على نسق البرنامج وتعاطيه مع ملفات سياسية حساسة، يبين فاضل أن “طفرة الوعي التي تبلورت عند العراقيين بعد انتفاضة تشرين هي الدافع الرئيس لتحول نسق البرنامج في التركيز على الواقع السياسي بشكل أوسع”.

ويلخص مهمة البرنامج بأنها “محاولات لخلق وعي رافض لكل ما يهدد سلطة القانون وحرية التعبير عن الرأي”، مبيناً أن “حملة السلاح قادرون على إخضاع العراقيين لآرائهم، وهناك ضرورة لتسليط الضوء ومحاولة معالجة هذا الملف”.

ويعتبر فاضل صدور البرنامج من داخل العراق “رسالة هامة تضعنا في مستوى المخاطر نفسها التي يعاني منها العراقيون، الأمر الذي يحفز المجتمع على تجاوز مخاوفه”، مبيناً أن “تقديم البرنامج من مكان آمن يفقده قيمته التحفيزية”.

ويشير إلى أن غاية البرنامج هي “محاولة تطويع السخرية في رسم مسار يمكن المجتمع من تجاوز الخطوط الحمراء ورفع سقف النقد”، لافتاً إلى أن “تلك الجهات تخاف أي مشاريع غايتها تحفيز الخطاب الوطني الجامع لدى العراقيين”.

مسار التحقيقات

تبرز عدة مسارات للتحقيقات بشأن حوادث الاغتيالات، فبينما ينتظر جمهور واسع من العراقيين نتائج واضحة تكشف عن الجهات المتورطة بتلك الحوادث كمنطلق للكشف عن قضايا سابقة تمتد إلى ما قبل انتفاضة أكتوبر، يعتبر آخرون أن التأخر في إعلان حتى النتائج الأولية للتحقيقات مؤشر واضح على أنها باتت مادة لـ”التسويات السياسية” وامتداد لـ”دوامة اللجان المألوفة”، فيما يظهر رأي آخر يتعلق بإمكانية أن تكشف السلطات عن الأفراد المنفذين لتلك العمليات من دون الإشارة الصريحة للجهات التي ينتمون إليها.

ويشير الباحث في الشأن السياسي هشام الموزاني إلى أن “ملف الاغتيالات بات مادة للاستغلال السياسي وورقة مساومة تتيح للحكومة الحالية الوصول إلى تسويات مع الأطراف المتهمة بتأجيج الوضع الأمني وإدارة حملات تصفية واسعة”.

ويرجح أن ينحصر مسار التحقيقات بين “أن تكشف الحكومة عن المنفذين المباشرين لتلك العمليات، من دون الإشارة الصريحة للجهات السياسية أو الفصائل الداعمة لهم، أو أن تكتفي بصياغة التسويات مع تلك الأطراف بذريعة غياب أدوات الردع”، مبيناً أن المسار الثاني هو الأرجح بعد مرور فترة طويلة اكتفت فيها حكومة الكاظمي بإدارة “صراع إعلامي” فقط.

ويضيف: “على الرغم من كون الوضع الداخلي والإقليمي لا يسمح بإدارة مواجهة شاملة مع تلك الجهات، فإن هذا لا يعني استغلال تلك القضايا في صناعة تسويات سياسية”.

ويلفت إلى أن “الاغتيالات باتت نمطاً سياسياً في العراق، عند محاولات إعادة ترسيم نفوذ القوى السياسية على الدولة، ما يعطي انطباعاً واضحاً بأن تلك الجماعات فيما لو اسشتعرت أي خطر على نفوذها، ستدير حملات تصفية واسعة ولا يمكن لأي تسوية أن تضبطها”.

وبشأن تشكيل اللجنة العليا للتحقيق بقضايا الفساد والجرائم الاستثنائية، يبين الموزاني أن “تلك اللجنة ليست سوى مناورة إعلامية تمكن الكاظمي من كسب مؤقت”، لافتاً إلى أن “كل المعطيات تشير إلى أنها ستكون امتداداً للجان سابقة لم تُفضِ إلى أي نتائج تذكر”.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.