بغداد والدولار والكتب

نزار عبد الغفار السامرائي

في حديث مع أحد أصحاب دور النشر الأردنية وصف مشاركته في معرض العراق الدولي للكتاب بالمقلب نتيجة عدم الاقبال على شراء الكتب من جمهور الزائرين، وهو ما أشار اليه أيضا احد الزوار في حديث جانبي على هامش المعرض.

المشكلة التي وقع فيها المعرض، الذي اجده شخصيا ناجحا بسبب السياق الذي جاء فيه، انه تزامن مع أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع سعر الدولار بسبب السياسة الجديدة للبنك المركزي العراقي ووزارة المالية، المتضمنة تخفيض سعر الدينار العراقي ليصل الى 1450 دينارا مقابل الدولار، الامر الذي أصاب الجميع بالدوار الا الحكومة التي لا أدرى ان كانت تعرف الى اين هي ذاهبة ام تركت الامر وفق مقولة (سيري وعين الله ترعاك).

جمهور الكتاب كان اول المتضررين من رفع أسعار الدولار امام الدينار العراقي، فدور النشر المشاركة في المعرض سرعان ما اعادت حساباتها وراحت تتعامل وفق السعر الجديد، وبعد جمع وطرح وضرب وضعت اسعارا أخرى للمعروض من كتبها تتجاوز ما كان يطمح اليه منظمو المعرض بوضع كتاب بسعر مناسب امام المحتاجين اليه واغلبهم من الأكاديميين والطلبة والمثقفين الذين يجهدون في سبيل استقطاع مبلغا من المال من قوت عائلاتهم لغرض اقتناء الكتب التي لا يجدون مناصا من اقتنائها لارتباطها بعملهم ونشاطهم اليومي.

في معرض حديثه قال أحد الكتاب وهو يستعرض عملية شراء الكتب من المعرض لا نشاهد الا عدد من رواد المعرض يحملون في يدهم كتابا او كتابين، في الوقت الذي كانت تشهد المعارض السابقة عربات محملة بالكتب.

طبعا انخفاض سعر الدينار ليس وحده السبب في عدم الاقبال الكثيف على الشراء، فقد أشار الناشر الأردني الى ظاهرة ربما لا توجد الا في العراق، وهي وجود العديد من معارض الكتب(الدولية) وتوزعها على المحافظات المختلفة وكأن الامر اصبح مدار التنافس، متناسين ان الموضوع الذي يعني دور النشر عند مشاركتها بالمعارض هو التسويق الذي يمكن ان يحقق لهم أرباحا ناهيك عن سد تكاليف المشاركة ولما كانت الدول الأخرى تنظم معرضا واسعا واحدا في العام مثل معرض فرانكفورت الشهير، او معرض القاهرة او معرض الشارقة او معرض الدار البيضاء الا ان المعارض تعددت في العراق وتوسعت وبالنتيجة المستفيدين من الباحثين عن الكتب قد تشتتوا وتفرقوا بين المعارض ما جعل القيمة الاقتصادية لأصحاب دور النشر المشاركة تنتفي، وربما السنوات المقبلة نشاهد اعراضا منها عن المشاركة بسبب ذلك.

الامر الآخر انتشار النسخ الالكترونية (المقرصنة) على شبكة الانترنت وفي مواقع عديدة ومنها مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي دفعت بالكثير من القراء الابتعاد عن عملية الشراء المكلفة وتعويض ذلك بالحصول على الكتب والمراجع التي يريدونها عبر الانترنت ونسخ الـ(PDF) ولا يمكن لومهم في ذلك في ظل ارتفاع أسعار الكتب ووصول بعض منها الى قيمة لا يمكن للطالب او الباحث معها أن يقتنيها بسبب الوضع الاقتصادي.

في كل الأحوال فأن الخاسر هو القارئ الذي يبقى يرنوا بعينيه نحو عناوين لا يستطيع اقتنائها رغم حاجته لها، والكاتب الذي تفرض عليه دور النشر شروطها ومبالغ تتصاعد مقابل عملية الطبع، دون ان يحصل على أي مردود مادي، وفقدانه حتى للمردود المعنوي في حال بقاء الكتاب بعيدا عن التداول بسبب الأسعار.

والسؤال إذا كانت جزئية في حياة المواطن مثل الكتاب قد تأثرت بهذا الشكل، فكيف بالأمور الأساسية؟!!

التعليقات مغلقة.