الوساطة التركية بين طهران وواشنطن: إدارة التصعيد أم تمهيد لتسوية؟

مهند ال كزار

ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

 

في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة شبح المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، برزت تركيا مجددًا كلاعب إقليمي يسعى إلى أداء دور الوسيط بين الطرفين، هذا التحرك لا يأتي من فراغ، بل يعكس إدراك أنقرة بأن أي انفجار كبير في العلاقة الأمريكية–الإيرانية ستكون له كلفة إقليمية مباشرة أمنياً واقتصادياً، يصعب عزلها عن الجغرافيا التركية.

لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بنية الوساطة بقدر ما يرتبط بفرص نجاحها وحدودها الفعلية؟

تركيا تمتلك ما لا تمتلكه دول أخرى، القدرة على التواصل مع واشنطن بوصفها عضوًا في الناتو، ومع طهران بوصفها جارًا وشريكًا اقتصاديًا وأمنيًا، هذا الموقع يمنحها شرعية الوساطة، لكنه في الوقت نفسه يقيدها، فأنقرة ليست وسيطًا محايدًا بالكامل، بل طرفًا لديه حسابات تتعلق بالأمن القومي، والطاقة، وتوازنات الشرق الأوسط، لذلك فإن الوساطة التركية ليست مشروع سلام، بل محاولة لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تخرج عن السيطرة.

نجاح الوساطة لا يتوقف على مهارة الدبلوماسية التركية بقدر ما يتوقف على قرار سياسي من الطرفين الرئيسيين، أي وساطة بلا استعداد مسبق لتجميد التصعيد ستتحول إلى قناة رسائل لا أكثر، ما لم تقتنع واشنطن وطهران بأن كلفة المواجهة أعلى من كلفة التهدئة، فلن تتجاوز الوساطة حدود إدارة الأزمة، كما أن غياب رؤية مشتركة لهدف الوساطة يشكل عقبة إضافية، فإذا تعاملت واشنطن معها كأداة احتواء مؤقت، وتعاملت طهران معها كوسيلة لكسب الوقت، فإن أي اختراق حقيقي سيبقى مستبعدًا.

كل محاولات التهدئة ستبقى هشة ما لم تمس العقدة المركزية “الملف النووي”، صحيح أن العودة إلى اتفاق شامل تبدو غير واقعية حاليًا، لكن تجاهل الملف بالكامل يعني تأجيل الانفجار لا منعه، أقصى ما يمكن أن تنتجه الوساطة هو تفاهمات غير معلنة تتعلق بالتجميد المؤقت أو توسيع الرقابة مقابل تخفيف محدود للعقوبات.

المعطيات تشير إلى أن الطرفين غير مستعدين لتنازلات استراتيجية، واشنطن قد تذهب نحو تخفيف جزئي للعقوبات وفتح قنوات تفاوض هادئة، لكنها لن تتساهل مع مسألة الوصول الإيراني لقدرات نووية عسكرية، في المقابل، قد تقبل طهران بضبط سلوك حلفائها إقليميًا وتهدئة محسوبة، لكنها لن تفرط بأدوات الردع التي بنتها خلال السنوات الماضية، ما يُتداول فعليًا ليس اتفاقًا، بل توازنًا مؤقتًا يقلل المخاطر دون حل جذري.

لا يمكن فصل الوساطة عن مواقف لاعبين إقليميين يرون في أي تهدئة أمريكية–إيرانية تهديدًا لمصالحهم، هذا العامل قد يحول الوساطة إلى مسار هش قابل للإفشال عبر تصعيد موضعي أو ضربات غير مباشرة تعيد خلط الأوراق.

الوساطة التركية تمتلك فرصة حقيقية في منع الانفجار، لكنها ضعيفة في إنتاج تسوية شاملة، أقصى نجاح يمكن تحقيقه هو إرساء معادلة “لا حرب الآن”، وليس حل نهائي.

في بيئة إقليمية مشبعة بالأزمات قد يبدو هذا الإنجاز محدودًا، لكنه في حسابات السياسة الواقعية يعد مكسبًا مرحليًا.

في النهاية، أنقرة تستطيع أن تكون جسرًا، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا عن قرار استراتيجي لم تنضج شروطه بعد في واشنطن أو طهران.

زر الذهاب إلى الأعلى