” النوم في محطة الباص “..الحرب الباردة في أزقة بغداد

النوم في محطة الباص لـ عبدالخالق گيطان

حيدر الحجاج

صدر حديثاً المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر العراقي المغترب عبد الخالق گيطان عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد.

ضمت المجموعة بين طياتها واحدا وثلاثين نصا شعريا. استوحت مكامن الحرب الباردة التي استولت على أطياف المكونات العراقية وواقعها اليومي المعاش تحت وابل _ السرفات- القذائف- البنادق َ والنكوص من تأزمات تتوالى كمهيمن افتراضي أسدل بستاره المشع بالسواد على راهن تلك المكونات _  وغيرها من المرادفات ذات الصلة.

حيث اعتمد الشاعر عبد الخالق گيطان في نصوصه النثرية الايغال في توظيف الحدث اليومي ومرارة تلك الحروب الباردة التي تنهال عبر صور متقنة بدت كحصص مجدولة اناخت برحلها الثقيل على كاهل الفرد العراقي وبأسلوب سردي عال لمحاكاة تفاصيل مايسمى بحياة العدم والخراب التي تدور في مسلة شارعنا المفخخ بما لا يعنيه والمجرد من لمحات الجمال والقيم التي ألفها گيطان في بواكير حياته الدراسية في كلية الفنون الجميلة في بغداد آنذاك،

لقد تفردت نصوص المجموعة بهالة من القصدية العالية في توظيف وتوصيف الحدث اليومي وكشف مكنون تلك المعطيات بشفرات شعرية لها وتيرتها المتصاعدة في تصوير تلك المشاهد التي ارعبت مخيلة گيطان لما لها من أثر بالغ من اجتراح وعذابات عاصرها وتفنن في رسم وقائعها بدقة متناهية في متون النصوص بحنكته المعهودة في إخراج تفاصيل دراماتيكية واستدرك ماهية الحروب بلغة يعلوها الشجن وتتخللها الكوميديا السوداء وبأسلوب فطن أثرى مقومات نصوصه في ( النوم في محطة الباص ) لتخرج بهذا الإطار الشامل لمجريات الاحداث المأساوية التي دارت في بلاد النهرين وكشف ماهو مسكوت عنه واستنطاق للمعنى الصادم في أغلب النصوص التي كتبت في أماكن وازمان متفرقة حسب ماهو مدون في هوامش النصوص في المجموعة الشعرية

لقد استدرك گيطان في مجموعته إيصال رموز وشفرات قصيدة النثر المعاصرة رسائله المفتوحة ورفضه للقمع والتهجير واستلاب معنى الإنسان من أخيه الإنسان وبتوظيف لايخلو من الدقة والحذر لإختيار المفردة الشعرية القائمة على توصيل أكثر من فكرة للقارئ ومشاركة الفرد العراقي المهمل عن قصد منذ أربعة عقود في تصوير مشاهد حياته الفارهة في قلاع الثكنات والمفخخات والتي باتت بالمجان لرسم خريطته البائسة في حياة مترهلة بالضغينة والحقد اللامتناهي جراء الدكتاتوريات المتعاقبة لهذا البلد الكسير.

مستغلا تجربته الشعرية العالية في اختيار العنونة لمجموعته وقصائده التي علتها الغرائبية والجاذبية لفتح بطون قصائدة والبحث في صناديقها المحملة بالدهشة والنهايات التي لايالفها القارئ والتي شكلت انعطافا جديدا في إثراء المكتبة العربية لقصيدة النثر العراقية ومتابعيها من الشعراء والنقاد على السواء.

بعد أن تهافت البعض على طبع ما لا يطبع من رطانة لاتمت للشعر بصلة.

لقد اعتمد گيطان في نصوصه على إيصال اكثر من معنى بفرادته وتمكنه من الإمساك بجمرة الشعر وتوظيفها وفق اسلوب صادم معاش بما يمتلكه من انزياحات شعرية عالية في تراكيبه التي دلت على علو كعبه في جادة الشعر العراقية لقصيدة النثر ونسقيتها غير المألوفة للقارئ.

كما تعد “النوم في محطة الباص” استرداد كامل للذة اللغة ومعانيها وسرديتها الشعرية العالية والمنوطة بوجع الذات وانتكاساتها المفرطة في براكين الحرب الباردة التي استولت واستفحلت على منهجيات الفرد العراقي. وتحويله إلى كائن اعتاد على أصوات المدافع وويلات الحروب والتي هدمت كل مضامين الشخصنة العراقية والتي عمد الآخرون على طمس معالمها والنيل منها في أبشع صورة تاريخية من قتل وتعذيب وتهجير لمهيمنات الجمال وترك آلة الحرب والدمار تدور على أولويات الفرد العراقي.

التعليقات مغلقة.