
المركزي العراقي: أزمة هرمز فرضت رفع سعر الدولار لحماية الاحتياطيات
المستقلة/- كشف البنك المركزي العراقي عن الأسباب الاقتصادية والمالية التي دفعته إلى تعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار، مؤكداً أن تداعيات أزمة مضيق هرمز وتراجع الإيرادات النفطية فرضت ضغوطاً متزايدة على الاحتياطيات الأجنبية، ووضعت السياسة النقدية أمام تحديات تتعلق بتمويل الإنفاق الحكومي والحفاظ على الاستقرار المالي.
وتأتي هذه التوضيحات في وقت يشهد فيه الاقتصاد العراقي تحديات متشابكة نتيجة اعتماده الكبير على النفط لتمويل الموازنة العامة، بالتزامن مع اضطرابات إقليمية أثرت في حركة الإمدادات النفطية والإيرادات الدولارية، ما أعاد ملف سعر الصرف إلى واجهة النقاش الاقتصادي والسياسي.
وقال مدير عام دائرة الإحصاء والأبحاث في البنك المركزي العراقي، سمير فخري نعمة، خلال مشاركته في الجلسة الحوارية التاسعة من ملتقى «ميري 2026» في أربيل، إن قرار تعديل سعر الصرف يمثل، من وجهة نظر البنك المركزي، الحل الأمثل لمواجهة الصدمة المالية الناجمة عن أزمة مضيق هرمز والحفاظ على احتياطيات العراق من العملات الأجنبية.
وأوضح نعمة أن الاقتصاد العراقي يختلف عن اقتصادات الدول ذات القواعد الإنتاجية المتنوعة، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية التي تشكل أكثر من 93% من الإيرادات العامة للدولة، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في إنتاج النفط أو تصديره ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها.
أزمة هرمز تكشف هشاشة الاعتماد على النفط
وبحسب المسؤول في البنك المركزي، فإن الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز خلال عام 2026 تسببت بصدمة سلبية في إنتاج النفط والإيرادات المتحققة منه، ما أدى إلى تزايد الضغوط على المؤشرات الاقتصادية والاحتياطيات الأجنبية.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لم تظهر فوراً في الأشهر الأولى، بسبب طبيعة التعاملات النفطية القائمة على البيع الآجل، لكنها بدأت تنعكس على الوضع المالي خلال شهري أيار وحزيران، وصولاً إلى تراجع حاد في الإيرادات النفطية، وصفه بأنه اقترب من التوقف شبه التام.
وتكشف هذه التصريحات، وفق قراءة اقتصادية، أن الأزمة لم تكن مرتبطة بحركة سعر الدولار وحدها، بل بوجود اختلال أعمق بين الإيرادات الدولارية التي تدخل البلاد والنفقات الحكومية المستمرة بالدينار، خصوصاً الرواتب والنفقات التشغيلية والالتزامات المالية الأخرى.
لماذا اختار المركزي تعديل سعر الصرف؟
شرح نعمة العلاقة بين عائدات النفط وسعر صرف الدينار، موضحاً أن كل مليار دولار يتم تحويله إلى العملة المحلية بسعر 1300 دينار للدولار يوفر للحكومة نحو 1.3 تريليون دينار.
وعند رفع السعر المحاسبي للدولار، تحصل الخزينة العامة على عدد أكبر من الدنانير مقابل الإيرادات الدولارية نفسها، ما يمنح الحكومة قدرة حسابية إضافية على تمويل النفقات المقومة بالعملة المحلية.
غير أن هذه الآلية لا تعني زيادة الإيرادات النفطية بالدولار أو تحسن الإنتاج الفعلي للاقتصاد، وإنما تمثل تغييراً في القيمة الدينارية لتلك الإيرادات.
كما أن تعديل السعر يحمل آثاراً مقابلة، أبرزها ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والخدمات المرتبطة بالدولار، واحتمال انتقال جزء من هذه الزيادة إلى المستهلكين، وهو ما يجعل تقييم القرار مرتبطاً بحجم الضغوط التضخمية وقدرة السلطات على إدارتها.
وأوضح نعمة أن جزءاً كبيراً من الإنفاق التشغيلي الحكومي يعود إلى السوق على شكل طلب على الدولار، الأمر الذي يضع ضغطاً متكرراً على احتياطيات البنك المركزي، خصوصاً عندما تتراجع التدفقات الأجنبية الناتجة عن صادرات النفط.
السندات الحكومية والضغط على السياسة النقدية
وتطرق نعمة إلى آلية تمويل العجز الحكومي من خلال إصدار السندات التي تشتريها المصارف الحكومية، موضحاً أن البنك المركزي قد يتدخل لمبادلة الدنانير في حالات معينة عندما تواجه تلك المصارف صعوبات في التعامل مع السندات.
وأشار إلى أن وجود كميات كبيرة من العملة المحلية في خزائن البنك المركزي لا يعني بالضرورة توافر موارد مالية إضافية، إذ إن الالتزامات النقدية يجب أن تُدار بما ينسجم مع قدرة الاقتصاد على توفير الموارد الأجنبية والحفاظ على الاستقرار النقدي.
وتبرز هنا مشكلة اقتصادية أساسية تتمثل في أن توسيع التمويل بالدينار دون نمو موازٍ في الإنتاج والإيرادات الأجنبية قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وهو ما يضاعف التحديات التي تواجه السياسة النقدية في ظل تراجع الموارد النفطية.
هل يحمي رفع الدولار الاحتياطيات أم يضاعف أعباء المواطنين؟
أكد نعمة أن الهدف الأساسي من تعديل سعر الصرف يتمثل في حماية الاحتياطيات الأجنبية وضمان استمرار النشاط الاقتصادي، معتبراً أن الأثر التضخمي لهذا الإجراء أقل من تداعيات البدائل التي قد تضطر الدولة إلى اعتمادها في ظروف الأزمة.
غير أن هذا التقييم يطرح تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العراقي على استيعاب آثار التعديل، ولا سيما أن الأسواق المحلية تعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة المسعرة بالدولار.
وكان مجلس الوزراء العراقي قد أقر في السابع من تشرين الأول الجاري تعديلاً لسعر الصرف، مع تحديد سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، وسعر بيعه إلى المصارف والمؤسسات المالية عند 1510 دنانير، وفق تفاصيل القرار التي أوردتها رويترز.
وتعني هذه الخطوة أن الحكومة تستطيع الحصول على دنانير إضافية مقابل عائداتها الدولارية المحدودة، لكنها تنقل في المقابل جانباً من تكلفة التعديل إلى الاقتصاد المحلي عبر ارتفاع كلفة المستوردات.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن نجاح القرار لا يتوقف على قدرته على تحسين الحسابات الحكومية قصيرة الأجل، وإنما على مدى استقرار أسعار السلع، وقدرة البنك المركزي على تلبية الطلب المشروع على الدولار، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
تصريحات المركزي تفتح ملف الاحتياطيات الأجنبية
وتكتسب تصريحات المسؤول النقدي أهمية إضافية عند مقارنتها ببيان سابق للبنك المركزي، صدر في 19 أيلول 2026، أكد فيه كفاية احتياطياته الأجنبية لتغطية طلبات تمويل التجارة الخارجية والبطاقات المصرفية والمسافرين وفق الآليات المعتمدة.
ولا يعني بالضرورة وجود تناقض بين الموقفين؛ إذ يمكن أن تكون الاحتياطيات كافية لتلبية الطلبات الحالية، بينما تتطلب التوقعات المستقبلية اتخاذ إجراءات احترازية للحفاظ عليها.
إلا أن ذلك يطرح الحاجة إلى الكشف عن أحدث بيانات الاحتياطيات الأجنبية، وحجم الانخفاض الذي شهدته خلال الأزمة، والتقديرات المعتمدة لمدى استمرار قدرتها على تمويل الاحتياجات الدولارية للعراق.
كما أن الاضطرابات التي شهدتها صادرات النفط العراقية خلال أزمة هرمز تعطي بعداً إضافياً لهذه المخاوف، بعدما أدت صعوبات النقل والتصدير إلى تراجع الكميات المتاحة للأسواق مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.
مستقبل الدينار مرتبط بمصير أزمة هرمز
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يبقي الضغوط قائمة على المالية العامة العراقية، حتى مع تعديل سعر الصرف.
ففي حال استمرار انخفاض الصادرات النفطية، ستواجه الحكومة تحدي توفير موارد كافية لتغطية نفقاتها، بينما قد يضطر البنك المركزي إلى الموازنة بين الحفاظ على الاحتياطيات وتلبية الطلب على العملات الأجنبية.
أما تحسن حركة الملاحة النفطية واستعادة الصادرات لمستوياتها الطبيعية، فمن شأنه تخفيف الضغط على الإيرادات الدولارية، وإن كان ذلك لا يضمن وحده عودة سعر الصرف إلى مستوياته السابقة.
وتكشف الأزمة الحالية أن سعر الدولار في العراق لم يعد مجرد مؤشر لحركة السوق، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالوضع الإقليمي وحركة النفط والسياسة المالية الحكومية.
وفي المحصلة، تقدم تصريحات سمير فخري نعمة تفسيراً للمبررات التي استند إليها البنك المركزي في تأييد تعديل سعر الصرف، لكنها تترك أسئلة اقتصادية مهمة بشأن حجم الاحتياطيات المستهلكة، والمدة التي يمكن خلالها تحمل تراجع الإيرادات النفطية، ومدى تأثير القرار على مستويات الأسعار.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يمثل تعديل سعر صرف الدولار إجراءً مؤقتاً لعبور أزمة مضيق هرمز، أم أنه بداية لمرحلة جديدة من السياسة النقدية العراقية قد تستمر تداعياتها حتى بعد انتهاء الاضطرابات الإقليمية؟
أخبار قد تهمك
إعفاء الغذاء والدواء من الرسوم الكمركية في العراق.. هل تنخفض الأسعار بعد ارتفاع الدولار؟
الشرطة يفوز على ايست بنغال الهندي ويحافظ على صدارة مجموعته
الزوراء يتعادل مع قطر في اول مبارياتهما بالبطولة الخليجية
مدينة الصدر الجديدة.. تقدم في إنجاز 11 ألف وحدة سكنية وتحرك حكومي لتعويض المتجاوزين
بعد رفع الدولار.. مستشار رئيس الوزراء يكشف مخاطر ارتفاع الأسعار وخطة الحكومة لحماية القدرة الشرائية
سامسونج توسع خيارات المستهلكين للأجهزة والتمويل والتجارة الإلكترونية
القانونية النيابية : تعلن إحباط عملية استيلاء على 57 عقاراً للدولة في بابل بقيمة 24 مليار دينار
البنك المركزي العراقي: الحفاظ على قيمة الدينار مهمتنا الأساسية.. وتنمية القطاع الخاص تقلل الطلب على الدولار
زيدان يبحث مع هيئة الإعلام والاتصالات المعالجة القانونية لمخالفات شركات الاتصالات الخاصة
أين اختفت أسماء مساهمي المصرف الأهلي العراقي؟.. تساؤلات بشأن الإفصاح عن الملكية في موقع هيئة الأوراق المالية
كربلاء: تحتضن اجتماعاً وطنياً لعمداء كليات الزراعة لبحث تطوير القطاع الإنتاجي





