أزمة المدد الدستورية.. قرارات المحكمة الاتحادية تُعمّق الانسداد السياسي في العراق

المستقلة/تقرير/- تتصاعد في العراق الانتقاداتُ القانونية والسياسية للمحكمة الاتحادية العليا، وسط اتهامات بأنها لم تُفعّل صلاحياتها الدستورية بالقدر الكافي لضبط مسار العملية السياسية، وأن قراراتها – أو تأخرها في إصدار تفسيرات فاصلة – أسهمت، وفق منتقديها، في تكريس ما يصفونه بـ“الفوضى الدستورية”، وترك الاستحقاقات عرضة للتعطيل من دون كلفة قانونية رادعة للقوى السياسية، بما يهدد بتآكل الثقة بالعملية الديمقراطية ويزيد مخاطر تعطلها.

ويقول منتقدون إن الدستور منح المحكمة الاتحادية دور “الحارس الأعلى” للنص الدستوري، بما يشمل تفسير أحكامه والبت في المنازعات بين السلطات، لكن المحكمة – بحسب هذا الرأي – اتجهت في محطات مفصلية إلى تفسيراتٍ تُسهل التعطيل أو إلى صمتٍ قضائي يترك الخلافات تُدار سياسياً خارج حدود الزمن الدستوري، الأمر الذي حوّل “المدد” إلى عنصر تفاوض بدل كونها حدوداً لا يجوز تجاوزها.

ويستند هذا الخط النقدي إلى أن الأزمة الحالية لتشكيل السلطة تجددت مع تعذر انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستورية المتداولة في المادة (72) المتعلقة بانتخاب الرئيس خلال 30 يوماً بعد الجلسة الأولى للبرلمان، وهو ما دفع رئاسة البرلمان إلى مخاطبة المحكمة الاتحادية لطلب تفسير ملزم للمادة وسط تعثر جلسات انتخاب الرئيس وفشل اكتمال النصاب، بحسب تقارير محلية.

ويرى منتقدون أن جوهر المشكلة ليس في طلب التفسير بحد ذاته، بل في أن المحكمة – وفق قولهم – لا تصدر مبكراً “قاعدة إلزام” تمنع تمدد الأزمة، ولا تحدد أثراً قانونياً واضحاً لتجاوز المدد أو لتعطيل جلسات انتخاب الرئيس، ما يشجع الفاعلين السياسيين على المناورة بالوقت وتوظيف الغموض. ويضيف هؤلاء أن الأعراف الدستورية المقارنة عادةً ما تتعامل مع المهل الدستورية بوصفها حدوداً فاصلة في الشرعية الإجرائية، وأن تركها مفتوحة يفرغها من معناها.

ومن أكثر الملفات حضوراً في خطاب الانتقاد، تفسير المحكمة الاتحادية الذي اعتُبر “غير مسبوق” – وفق تحليل لمعهد واشنطن – بشأن اشتراط حضور ثلثي أعضاء البرلمان لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهو تفسير يقول منتقدوه إنه منح أي طرف قادر على جمع “ثلث معطل” أداةً دستورية لتعطيل انتخاب الرئيس بمجرد المقاطعة، ما حول الاستحقاق إلى اختبار قوة سياسية أكثر من كونه إجراءً دستورياً.

ويذهب بعض المحللين إلى أن نتائج ذلك التفسير لم تكن تقنية فقط، بل سياسية عميقة، لأنها رفعت كلفة التسوية ودفعت القوى إلى مراكمة الشروط المتبادلة، وسمحت بتحول “الغياب” إلى أداة حكم. ويربط هؤلاء بين هذا المسار وبين دور المحكمة في “إعادة تشكيل المشهد السياسي” عبر قرارات كبيرة الأثر، في حين يرى أنصار المحكمة أن متطلبات النصاب العالي تستند إلى طبيعة منصب الرئاسة كرمزٍ اتحادي يتطلب توافقاً واسعاً، وأن المحكمة لا تستطيع تصنيع تسويات سياسية بالقوة، بل تطبيق النصوص كما تفهمها.

وتعزز أزمة داخل المحكمة نفسها خطاب التشكيك بقدرتها على ممارسة دورها الحاسم. فقد شهدت المحكمة في منتصف 2025 حالة شلل بعد استقالة عدد من قضاتها ثم عودتهم عقب تغييرات في قيادة المحكمة، وسط حديث عن ضغوط وتدخلات سياسية، وفق وكالة أسوشيتد برس وتحليلات أخرى تناولت “فوضى” المحكمة وتداعياتها على الشرعية الدستورية. ويقول منتقدون إن مؤسسةً تصل إلى حافة التعطل بهذه الصورة يصعب أن تُنتج أحكاماً صارمة في القضايا السياسية الكبرى، بينما يعتبر مؤيدون أن الأزمة عالجت خللاً داخلياً وأن المحكمة استعادت عملها.

وفي السياق نفسه، تقول تقارير إن المحكمة واجهت موجات اتهام بـ”تسييس” بعض قراراتها أو توظيفها في صراع القوى، لا سيما في ملفات دستورية حساسة. ويعرض باحثون قرارات المحكمة بوصفها جزءاً من “قضاء مسيّس” يؤثر على ميزان القوة بين الخصوم، وهو تقييم ترفضه أطراف قانونية ترى أن المحكمة تتحرك ضمن صلاحياتها وأن تحميلها مسؤولية الإخفاق السياسي هو محاولة لتغطية عجز القوى عن التوافق.

وبينما تتكدس الأسئلة حول دور المحكمة في إنفاذ المدد الدستورية، يلاحظ قانونيون أن الدستور لا يقدم دائماً “جزاءً” مباشراً لتجاوز المهل، ما يفتح باب الاجتهاد. إلا أن منتقدي المحكمة يقولون إن وظيفة القضاء الدستوري ليست فقط رصد غياب الجزاء، بل إنتاج تفسير ملزم يمنع تحويل التجاوز إلى عرف سياسي دائم، عبر تحديد المسؤوليات الإجرائية وإلزام البرلمان بمسارات واضحة وتوقيتات غير قابلة للتلاعب.

وتأتي هذه السجالات في وقت يتجدد فيه خطر شلل مؤسساتي أطول، مع استمرار الخلافات على استحقاق الرئاسة وتأخر انتقال البلاد إلى مرحلة تكليف رئيس وزراء جديد. وفي ظل ذلك، يتوقع مراقبون أن يتحول قرار المحكمة المرتقب بشأن تفسير المادة (72) إلى محطة فاصلة: إما أن يُنتج سقفاً زمنياً وآثاراً ملزمة تقلص مساحة التعطيل، أو أن يُبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار “الإدارة السياسية للنص الدستوري” من دون حسم قضائي صارم، بما يعمق أزمة الثقة بدور المحكمة كحارس للدستور.

زر الذهاب إلى الأعلى